عن بيروت المختبئة في "زمرد"

لبانة غزلان

لم تتخلَ بيروت عنّا بعد. نحن الهاربون إليها من رحم الموت، نحبها كما نحب دمشق، وحين يصبح الخبز حراماً على السوريين، ويطالب سادتها بإعادتنا إلى الجحيم، نكرهها كما نكره أنفسنا فيها، وقد أسقطت عمداً عنا صفة اللجوء، لنعيش قلق الوجود غير القانوني بدون إقامة، ونغرق في عراقيل الحصول عليها.

 كحال جميع الأمهات، تصفعنا بيروت بيد، لتربّت على قلوبنا الهشة باليد الأخرى، فحين تود بيروت أن ترأف بقلوبنا تقدم لنا زمرد في شارع (إلياس مدور) فرن الشباك غرفة أو أكبر قليلاً، ستصبح بيتك، وسترافق قلبك إلى دمشق وحمص وسلمية والسويداء، وستعيدك إلى هنا حيث بيروت المنفلتة من بطش سادتها، والهاربة من خطاباتهم، بيروت الحقيقية بناسها المغلوب على أمرهم كحالك.

الأمهات صانعات سلام دائماً وأبداً

في زمرد تستقبلك العائلة لحظة تطل على الواجهة الملونة لغرفتك، وبعد قليل ستتسع غرفتك لثلاثين شخصاً وربما أكثر، في جو حميمي كما لمة العائلة، يستوي الجميع على المقاعد الخشبية المصنوعة من الطبليات، ولن تجد حرجاً في الاتكاء على كتف جارك اللبناني، ولن يجد هو كذلك حرجاً في استعارة زاوية طاولتك القريبة منه ليضع كأسه أو علبة سجائر.

 رغم أنها قد تكون زيارتك الأولى، إلا أنك ستلتقي بأشخاص يشبهونك، وستجدون الكثير للحديث عنه، حيث الهموم المشتركة، والأزمات المشتركة، والثورات المشتركة، ولا فرق بين سوري ولبناني سوى على طاولات البرلمان، أما على طاولات المقهى الصغير في شارع (إلياس مدور) فكل شيء مشترك.

وحده (أبو مزيد) يستطيع التجول بخفة فراشة في هذا الزحام، نادل بصفة "المعزّب"، ولعلها خبرة امتلكها من مدينته الأم السويداء، حيث لإكرام الضيف طقوسه، ينقل عينيه بين الحاضرين ليتأكد من أن كل شيء على ما يرام، ولا أحد يحتاج شيئاً، تشاركه خفته ريم اللبنانية اللطيفة، والتي قدمت للفزعة وانصهرت في جو العائلة.

ولا تكتمل لمة الحبايب إلا بالموائد العابقة بنفس الأمهات، وما تصنعه أيديهن من أطايب، وهذا تحديداً ما يقدمه زمرد، حيث تحضر أطباقه على يد أمهات لبنانيات وسوريات وفلسطينيات لاجئات، يعشن من ريع بيع أطباقهن في المقهى الصغير، لتحمل توابلهن ورائحة اليبرق السوري والمسخن ذاكرتك إلى مطبخ أمك، وتشتم عبقها في كل زاوية من زوايا المكان.

وعلى صوت ملهم خلف ابن السلمية حمصي الهوى، ورنة العود بيد يزن جومر ابن دير عطية، ريف دمشق، وإيقاع الرق بيد مصطفى خدوج، يصبح المكان سحرياً بشكل خاص، تماماً كمشهد من مسلسلات دراما سوريا الاجتماعية، حيث دفء العائلة الكبيرة وعلاقة الأجداد بالأحفاد، إذ يتميز رواد المكان بالتنوع والغنى العمري والثقافي، وحدث أن دعتني سيدة مسنة لبنانية- فرنسية للرقص على إيقاع أغنية لملحم بركات، وكانت برغم سنواتها الستين حنونة ومفعمة بحب الحياة.


كل هذا وأكثر قدمه زمرد لي في إحدى ليالي بيروت الموحشة، ولعل قيمة المشروع الذي يهدف إلى مساعدة النساء على الاستقلال المادي والتمكين الاقتصادي، لا تكمن فقط في هذا الدور، بل في جعل الأمهات والنساء من منازلهنّ شريكات في صناعة السلام ومناهضة العنصرية، حيث تعيدك أطباقهنّ، إلى إنسانيتك ويفتح المكان بجوه الساحر الباب للاندماج والانصهار في الآخر.

عن المشروع

يبلغ عمر زمرد كمشروع منفذ سنة وثلاثة أشهر، وقد جاءت فكرة المشروع بحسب مؤسِّستَيه ناهدة توبة ورشا شكر، لملء الفراغ الذي تخلفه مشاريع المنظمات المدنية التمكينية، حيث تقدم المنظمات للمشاركات الأدوات اللازمة لتعلم المهن عبر التدريبات المكثفة، وتنتهي هذه المشاريع المحدودة التمويل بانتهاء مدة المشروع، لتترك النساء في مواجهة ضغط سوق العمل بدون دعم أو إشراف، يعانين من صعوبة التسويق وتأمين المواد الأولية وإيجاد الفرص.

 يؤمن زمرد فرصة عمل دائمة براتب شهري لخمس سيدات من جنسيات مختلفة، خضعن سابقاً لتدريبات الطهي، ويعملن من منازلهن على تلبية احتياجات المقهى من المأكولات الشرقية التقليدية، التي اختارتها كل من رشا وناهدة بعناية لتناسب جو المكان، بالإضافة للتعاقد مع سيدات أخريات بشكل موسمي يقدمن منتوجات متنوعة من المونة المنزلية.

ولا يقتصر عمل رشا وناهدة القادمتين من خلفية مدنية على تأمين فرص عمل للسيدات فقط، بل على النهوض بواقعهنّ الأسري أيضاً، انطلاقاً من أن التغيير في واقع المرأة العربية لا يأتي بالمناداة بالمساواة والحقوق فقط، بل يحتاج إلى عمل تراكمي يبدأ من الأسرة دون أن يشكل صدمة يقابلها الرفض.

حيث تواجه الكثير من النساء الراغبات بالعمل مشكلة رفض محيطها للعمل خارج المنزل، وعليه فإن فرض العمل خارج المنزل على النساء غير القادرات عليه في بيئاتهن المغلقة، سيضاعف العنف الواقع عليهن، دون وجود قوانين تحمي النساء من العنف الأسري، لذلك عملت مؤسِّسَتَا زمرد على تجهيز مطابخ النساء العاملات معهن في منازلهن، كي لا يحرمن من فرصة العمل تحت أي حجة، ولاحظن الاختلاف في نظرة أسر السيدات العاملات بعد فترة من الإنتاج، خاصة في الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الجميع في لبنان، حيث تحولت أسرهن من رافضة إلى متعاونة وداعمة.

موقف زمرد من العنصرية

تلفت ناهدة انتباهنا إلى أن الحديث المتكرر عن العنصرية وإن كان بحسن نية، وبغرض محاربتها قد يساهم في تكريسها، فكلمة "عنصرية" غير واردة في قاموس زمرد، حيث لا يسمح المكان وطاقم عمله بورودها فيه، بل على العكس تماماً، يعمل فريق زمرد جاهداً لتكريس الإنسانية والألفة، والحث على الاندماج، وتقبل الآخر، وقد اختاروا أدوات ثقافية كالموسيقى الطربية والمأكولات الشرقية كوسيلة جامعة، تشجع على إدراك القواسم المشتركة ونبذ خطاب الكراهية تجاه اللاجئين وخاصة من السوريين الذين يعدون شركاء في منطقة جغرافية واحدة، لا يفرقها سوى حدود رسمتها السياسات، بينما يجمعها إرث غني من التنوع الفكري والثقافي.

وتؤكد ناهدة حين تُعرف زمرد بقولها، إنه "بيتنا أولاً وبيت لكل زواره على اختلافهم". على مفهوم العائلة الإنسانية الكبرى، حيث تتنوع شخصيات وتوجهات أفرادها، إلا أنها تبقى عائلة تحتضن الاختلاف والتميز، وتحافظ عليه، كما زمرد بجوه السحري الذي يشكل مقصداً لأولئك المتقبلين للتنوع، والمقبلين على الحياة بأبوابها الواسعة.

*تصميم: آية خربوطلي