رِواق بيروت: مساحة آمنة للجميع

لبانة غزلان

في سوريا افتقدت كثيراً فرصة الخروج برفقة حيواناتي الأليفة إلى مكان عام، دون أن أتعرض للنقد، ومنعت من إدخال كلبي معي إلى المقاهي أو المطاعم، حيث اشترط الكثير منهم لاستضافتي أن أتركه على باب المقهى طوال مدة جلوسي فيه، وكأنه خطر على المجتمع، بينما كنت أرى بشراً يدخلون بسلاحهم يشربون قهوتهم بأمان ويخرجون، ولا أحد يعير بالاً للسلاح العالق على خصورهم أو المرتكي بوقاحة على كراسي المقهى. وحين قدمت إلى بيروت، سمعت بـ "رواق" كمساحة صديقة للحيوانات الأليفة، فزرته وتبين لي أنه أكثر من ذلك بكثير.

عن النشأة 

يخبرنا القائمون على إدارة رِواق اليوم أن المكان تأسس بجهود فردية عام 2016، وكان الهدف الأساسي منه خلق حيز خاص يعبر عن أفكار أفراد يعيشون على هامش المدينة ولا تصلها أصواتهم، ليمكنهم من التواجد بقوة وفاعلية في الفضاء العام لمدينة قاسية كبيروت، طامحين امتلاك مدينة تشبههم، ينتمون إليها بإرادتهم، ويبنون معها روابطَ وآمالاً.

جاء تأسيسه محاولة للمشاركة في صناعة القرار السياسي للمدينة، وخاصة ذلك المتعلق بالحياة اليومية للناس في بيروت، وقد منح لرواده ومؤسسيه إحساساً بالحرية، والقدرة على التأثير بكل ما يجري من حولهم، عبر أدوات يملكونها ويسخرونها خدمةً للتغيير نحو مستقبل أفضل. حيث يرى القائمون على رِواق أن أبسط تعريف للحرية هو قدرة الأشخاص على اتخاذ القرارات.

لذلك أرادوا لهذا المكان أن يكون نموذجياً بكل المعايير، وتقدّمياً مواكباً لأفكار العصر، ليس على المستوى الاجتماعي والسياسي فقط، بل كذلك الأمر على المستوى الاقتصادي والهيكلية الإدارية المسطحة، البعيدة عن النموذج المعتاد للإدارة الهرمية، بحيث يمكن للعاملين فيه بعد زمن من العمل أن يصبحوا شركاء، ويحصلوا على نسبة من الأرباح، كما أن المكان يتحمل مسؤولية التأمين الصحي والضمانات الأخرى للعاملين فيه، في ظل غيابها عن بقية الأعمال في بلد كلبنان.

موقف رِواق من العنصرية

 يتعامل رِواق عبر مساحته بصرامة وحسم ضد العنصرية، ولا يتساهل العاملون فيه ورواده مع أية بوادر إقصائية أو تمييزية تحت أي مسمى، سواء كانت على مستوى الهويات كالهوية الجندرية، أو الدينية، أو على أساس اللون والجنسية والأصول العرقية، وكذلك على المستوى الطبقي والثقافي، ويحرصون على توضيح سياستهم الدامجة والمتقبّلة للاختلاف لأي شخص، سواء كان من عائلة رِواق أو من زواره. لذلك نلحظ التنوع بين الأشخاص العاملين  في رِواق أو القائمين على إدارته وتيسير عمله، مهما كانت انتماءاتهم وهوياتهم، فيكون المكان بأنشطته وأهدافه نتيجة متكاملة لجهد مجموعة من السوريين/ات واللبنانيين/ات والمهاجرين/ات وأفراد مجتمع الميم عين.

وعند سؤالهم عن سبب ترحيبهم بالحيوانات الأليفة في المكان، جاء الجواب بكل بساطة لأنه لا يوجد سبب لعدم استقبالها، وأوضحوا: "يعني في أحلا من الحيوانات الأليفة؟ كل الحيوانات مرحب فيها، لكن غير المرحب بهم في رِواق هني اليمينيين والمتعصبين والذكوريين والمتحرشين والصهاينة، وأي حدا من منحبكجية الديكتاتوريات".

عن أنشطة رِواق 

يركز رِواق في نشاطه الثقافي على خلق منصة وخشبة للمبادرات البديلة عن السرد العام، ويكوّن مساحة للتجريب والإبداع و"التخبيص"، بحسب القائمين عليه، حيث يتم تقديم الطابق السفلي بشكل مجاني لأي شخص راغب بتقديم فنه والتجريب في رِواق كمساحة يعبر فيها عن نفسه، ويقدمها لجمهور هذه المدينة. بالإضافة لمناسبات ينظمها رِواق بشكل دوري، مثل الميكروفون المفتوح أو عروض الجرّ، وهي من أهم المشاريع التي يستضيفها رواق. كما يتعاون رِواق مع مشاريع ثقافية أخرى، ويستضيف العديد من المبادرات، وورشات العمل، والقراءات الأدبية بشكل أسبوعي.

 بدأ مشروع 'الميكروفون المفتوح' الأسبوعي والمستمر حتى الآن منذ عام 2017، ويعد الأول من نوعه في بيروت بالتعاون مع مؤسسة Beirut Sidewalk، وهي عبارة عن منصة مفتوحة لكل أنواع التعبير عن الذات. تتيح للجميع التسجيل ليقدموا على المسرح ما يريدونه دون قيود، سواءً في الموسيقى أو الغناء أو الزجل  أو الشعر والنثر، وكذلك الرقص والكوميديا والعروض المسرحية.

وكذلك الأمر جاءت عروض الجر (drag shows) التي تحمل طابعاً سياسياً وترفيهياً، وتستعرض واقع مجتمع الـ LGBTQ، مشاكلهم، والإضاءة على التهميش المتعمد لهذه الفئات، عبر الموسيقى والرقص والـ story telling. 

وفي عام 2018 بدأ "رواق" باستضافة Politics & Coffee التي تهدف إلى فتح نقاش عن مواضيع سياسية مختلفة لمواطنين لبنانيين، من دون أن تكون مرتبطة بأي حزب أو تحرك سياسي بالإضافة للعديد من المشاريع، مثل Unspoken مشروع بوح لـ KYP Community وهي منظمة داعمة للنساء، استضافت عدداً من الورشات، كورشة دمى للأطفال بالإضافة لعروض  installations مثل مشروع "طوبى لمن قال لا" الفني، ومشروع ذكريات الأكل .

كما نظم رِواق قراءة قصصية لكتاب "سر حبات المطر" للكاتبة ديما نشاوي، واستضاف حفل إطلاق كتاب "القنشود" لناصر الدين الطفار، وكتاب "اعترافات المسخ" للكاتب محمد حج حسين. فضلاً عن تنظيم حفلات لقرابة 30 فرقة موسيقية بديلة في مشهد بيروت، كـ (المسوخ- طنجرة ضغط - الراس- الطفار- مزياق)، ومناسبات دورية، مثل نادي العقل النقدي للقراءة ونادي السينما، حيث يسر رِواق عرض أفلام سينمائية ونقاشات بالتعاون مع مؤسسة SMEX، ودعم العديد من المشاريع المستقلة المتنوعة مثل: العرض المسرحي "برونز" للمخرج عمر جباعي، كذلك نجحت المساحة في تنظيم أكثر من ورشة تقنيّة على مدار السبع سنوات منذ تأسيسها.

بعيداً عن التعصب والتزمت للهويات، هناك في مار مخايل  شارع أسد رستم يقبع "رواق"، كمكان للإنسان المعاصر الحر من كل القيود، يؤمن مساحة آمنة، تجمع شتات الفئات المهمشة والمضطهدة، وخاصة مجتمع الميم عين، وتمنحهم فرصة الوجود والتعبير والتأثير رغم أنف السلطات القامعة، إذ تقول عائلة "رواق" في الختام: "الموضوع مانه سهل أبداً وخلانا أكتر من مرة نتواجه مع السلطة ببيروت، بس رغم هيك هي المساحة مستحيل نتخلى عنها وبصوت عالي كمان".

*تصميم: آية خربوطلي