البصل المستورد والمُخزَّن يفاقم معاناة السوريين وسط الاحتكار وتخبط القرارات الاقتصادية

حبيب شحادة

لم يتوقع عبد الفتاح، 72 عاماً، وهو موظف حكومي متقاعد، أن يعيش لمرحلة من عمره تجعله أمام خيار وحيد لشراء مادة البصل، وهي الانتظار في طوابير المؤسسة السورية للتجارة للحصول على كيلو أو اثنين من المادة نظراً لندرته في أسواق دمشق وارتفاع سعره. 

يقول الرجل السبعيني في حديثه لـ "روزنة" "إنَّ أقرب صالة للسورية للتجارة إلى منزله تقع في حي باب سريجة وهي غير مخصصة لبيع الخضار"، تقتصر محتوياتها على المواد الغذائية، ما دفعه لتأجيل مشروع حصوله على "البصل المدعوم" حسب تعبيره. 

ومنذ حوالي الشهرين تعاني السوق السورية من أزمة في مادة البصل التي ارتفع سعرها بشكل تدريجي من 2000 ليرة، إلى 4000 ومن ثم 8000 ليرة، وعند هذا السعر اختفى البصل من الأسواق، وبدأ سعره بالارتفاع يومياً حتى وصل إلى 18 ألف ليرة للكيلو الواحد مؤخراً. 

ورغم تأثر موسم البصل عالمياً بالفيضانات في الهند وباكستان، يعتقد المدير التنفيذي لمنصة اقتصادي يونس الكريم أن تأثير ذلك على مادة البصل ضعيف مقارنة بالتغير المناخي الذي أنتج الجفاف وعدم توفر المياه وازدياد الطلب على البصل من مصادره، فضلاً عن تعويم حكومة النظام للأسعار ما أضعف عملية زراعة البصل وجعلها غير مجدية مقارنة بأنشطة تجارية أخرى.

بينما أرجع عمرو سالم وزير التجارة الداخلية أزمة البصل إلى توقعات وزارة الزراعة المغلوطة، التي قدرت إنتاج موسم البصل بـ63 ألف طن، بينما حاجة السوق السورية هي 59 ألف طن، أي أن هناك فائضاً بـ3900 طن من البصل وكي لا يخسر الفلاح سمحت اللجنة الاقتصادية بالتصدير، حسب قوله، ولحل هذه الأزمة تم التوجه إلى استيراد البصل من مصر لتغطية حاجة السوق لحين بدء الموسم الحالي، وفقاً لتصريحات صحفية لسالم لموقع محلي.

وظاهرة أزمة البصل غريبة على المجتمع السوري، الذي عانى مختلف أنواع الأزمات الغذائية خلال سنوات الحرب ما دفع أغلب السوريين لاستهجان حصول أزمة بصل في بلدهم الذي يعتبر زراعي، لكن البصل لم يَعد أرخص المنتجات الزراعية، كما أفاد عدد من السكان في دمشق لـ "روزنة". 

ونتيجة ارتباط شراء البصل بتوفر سلع أخرى انخفض طلب السوق عليه، واتخذت قرارات بتصديره بنسب عالية، وفقاً لحديث الكريم، الذي يؤكد لـ "روزنة" استخدم النظام  البصل وغيره من السلع للتصدير والحصول على الدولار وتمرير تجارة الكبتاغون والمخدرات مع سلع أخرى. 

السوري يعيش أزمة بصل

تعتبر ظاهرة أزمة البصل غريبة على المجتمع السوري، الذي عانى مختلف أنواع الأزمات الغذائية خلال سنوات الحرب ما دفع أغلب السوريين لاستهجان حصول أزمة بصل في بلدهم الذي يعتبر زراعي، لكن البصل لم يَعد أرخص المنتجات الزراعية، كما أفاد عدد من السكان في دمشق لـ "روزنة". 

ونتيجة ارتباط شراء البصل بتوفر سلع أخرى انخفض طلب السوق عليه، واتخذت قرارات بتصديره بنسب عالية، وفقاً لحديث الكريم، الذي يؤكد لـ "روزنة" استخدم النظام  البصل وغيره من السلع للتصدير والحصول على الدولار وتمرير تجارة الكبتاغون والمخدرات مع سلع أخرى. 

مشكلة البصل في سوريا

أيار 2022

قرار بتصدير البصل السوري

قررت حكومة النظام في شهر أيار/مايو من العام الفائت 2022 السماح بتصدير ماديتي البصل والثوم بناء على توصية اللجنة الاقتصادية في حكومة النظام على ألا تتجاوز الكميات المصدرة 3.600 طن للبصل و5.600 طن للثوم بحجة وجود فائض من الإنتاج المعروض من البصل تفوق حاجة السوق خلال تلك الفترة.

شباط 2023

قرار حكومي باستيراد البصل

وفي 22 شباط/فبراير الفائت، أعلنت حكومة النظام بناء على توصية اللجنة الاقتصادية ذاتها الموافقة على استيراد 2000 طن من مادة البصل لمصلحة المؤسسة السورية للتجارة شريطة أن تصل الكميات قبل نهاية الشهر ذاته لتقوم بطرحها في صالاتها وبيعها بالمفرق للمواطنين نتيجة عدم توفر المادة.

آذار 2023

البصل على البطاقة الذكية

وبعد وصول كميات البصل المستوردة من مصر، أضافت وزارة التموين في 4 آذار/مارس الجاري البصل ضمن المواد المباعة عبر البطاقة الذكية، ويستطيع كل مواطن شراء كيلو من البصل للبطاقة الواحدة كل أسبوع. ومن ثم عدلت كمية الشراء إلى 2 كيلو أسبوعياً بحجة الإقبال من المواطنين على شراء البصل.

بصل "معفن وخربان" 

كما أكدت ثلاثة مصادر من دمشق وريفها لـ "روزنة" أن قسم كبير من البصل الموجود في صالات السورية للتجارة سيىء النوعية وغير مستورد كما صرح وزير التموين عمرو سالم، إنما كان مخزن لدى تاجر محسوب على النظام، وهو من خلق أزمة البصل لإيجاد قناة لتصريفه بالاتفاق مع وزارتي التجارة والزراعة". 

وذكرت المصادر التي تعمل في صالات السورية للتجارة في مناطق عدة بدمشق (شرط عدم ذكر أسمائهم) أن القسم الأكبر من البصل مُصادر من مستودعات في (تلبيسة والرستن والزهراء) بحمص، وقسم آخر كان مُخزن، وأن السورية للتجارة افتعلت أزمة البصل ثم طرحت الحل عبر بيع الكيلو  بـ 6 ألف ليرة. 

أسباب أزمة البصل

رغم استيراد النظام كمية من البصل من مصر التي تعتبر من أكثر دول العالم تصديراً للمادة، يرجع الكريم أسباب أزمة البصل إلى أسباب اقتصادية وسياسية. ويقول في حديثه لـ "روزنة" "إن ارتفاع أسعار المحروقات جعل زراعة البصل مكلفة إذا ما قورنت بسعر المنتج النهائي وهذا ما أدى للإحجام عن زراعته". 

ويضيف الكريم، أن تكلفة السماد وعدم توفره خاصة بعد استيلاء إيران وروسيا على مناجم الفوسفات وعلى صناعة الأسمدة السورية، أثرت على زراعة البصل، عدا عن أن عملية الاستيراد مقيدة بقوانين البنك المركزي وتوفر القطع الأجنبي. 

كما أن تقلص المساحات المخصصة لزراعة البصل سواء في ريف حماة أو ريف دمشق وحمص بسبب تحويلها لمناطق عسكرية ممنوع دخولها، وكذلك التوسع العمراني في مناطق زراعة البصل وعدم توفر اليد العاملة والآليات وعدم جدوى استخدام المكننة في زراعة البصل أدت لتقليص المساحات المزروعة، وفقاً للكريم.

أما الأسباب السياسية لأزمة البصل، وفقاً للكريم، فهي مرتبطة بالاقتصادية كمشكلة المياه وإغلاق تركيا لمنابع نهر الفرات ودجلة الذي أثر على زراعة البصل في مناطق شمال شرق سوريا، اضافة للتوتر بين قسد والنظام وتردي الوضع المائي في سوريا وتغير المناخ ما أدى لانخفاض منسوب المياه وتأثيرها على زراعة البصل.

في السنوات السابقة اعتمد مزارعين كثر على زراعة محصول البصل الذي تشتهر به مدن سورية عدة منها حماة وريف دمشق وحمص ومناطق الجزيرة، لكن قلة الدعم الحكومي ونقص المحروقات وضعف التسويق دفع بالعديد منهم للتخلي عن زراعة المادة. 

ويتخوف مزارعو البصل لهذا العام من تكرار سيناريو العام الفائت، المتمثل في انخفاض سعر كيلو البصل، إذ كان سعره لا يتجاوز الـ 1500 ليرة في الموسم الفائت. وهذا ما دفع بالمزارع حميد، من سهل الغاب في حماة لحصاد موسمه الحالي قبل نضوجه وبيعه كبصل أخضر. 

ويقول في حديثه لـ "روزنة" " خلينا نبيع هلق أحسن ما نترك الموسم بأرضه بعد أشهر قليلة"، مضيفاً أن مشكلة البصل في سوريا تكمن في التصدير وانخفاض سعر شراء الكيلو من المزارع، بينما سعره في السوق يكون مرتفع أضعاف.  

وهنا يعتقد الكريم أن التضخم الحاصل عالميا في الأسعار جعل كتلة الأجور غير مجدية للعمل في هذا النوع من الأعمال مقابل ارتفاع تكلفة زراعة البصل وانخفاض سعر بيعه. لذلك هناك احجام عن زراعته، عدا عن أن السوق الزراعية لم تتعافى من كورونا ومن التغيير في أسعار المحروقات، وفقاً لقوله.

وأمام هذا الواقع المعيشي المتردي الذي لا يستطيع فيه الناس، "أكل البصل" حسب تعبير عبد الفتاح، يعيش أغلب السوريين حياتهم في طوابير الانتظار لحصولهم على 2 كيلو من البصل سيء الجودة اسبوعياً.