مكتبات بيروت العامة.. مساحات نفتقدها في سوريا

لبانة غزلان

"علينا التفكير في كيفية صياغة المعنى، والبحث عنه"، سؤال فكري وسياسي على حد سواء وجهه لنا الكاتب والناقد إلياس خوري، ضمن ندوة بعنوان: (الرواية في لبنان ما بعد الحرب). مشيراً إلى أن الحرب ما تزال قائمة، حيث كان لسنة 1975 - رغم قساوتها - دور لتغيير جذري في وعينا الأدبي، لتتحول الرواية بعدها من ظاهرة فردية إلى حركة كبرى، وربما إلى الحركة الأكبر في الأدب اللبناني. تأثر بها أدب الجوار ـ سوريا بعد الثورة ـ على سبيل المثال، الذي  يشهد اليوم حركة مماثلة، بحسب الكاتب.


قبل حضور الندوة اتصلت هاتفياً بالقائمين عليها، ولم أكن أعرفهم بعد، وفي نفسي سؤال خجول يعتمل، قلت فيه: "مرحباً أنا أحب أعمال الكاتب إلياس خوري، هل يسمح للسوريين بحضور الندوة؟ "وكان الجواب بسيطاً سلسلاً، بعذوبة صوت الشابة العاملة في مكتبة الباشورة: "المكتبات العامة في بيروت ترحب بالجميع".

نشأة المكتبات العامة في بيروت 

تحدث الكاتب إلياس خوري في ندوته عن نظام أسماه نظام الحرب الأهلية في لبنان، وهو النظام السياسي ما بعد الحرب، نظام قائم على افتراض الانفجار في أية لحظة، لذلك تجده يهددك كل الوقت بانهيار الموازين الطائفية المزعومة، والعودة إلى حالة الحرب، لتقول كما جاء على لسان الكاتب: "دخيلكن زبطوها ما بدنا حرب"، وهو في الواقع  ليس إلا حرباً باردة مستمرة إلى اليوم.

الخوف من الحرب أمر مبرر، وخاصة لبلد تاريخه مليء بالحروب والأزمات على مدى 15 عاماً من حرب أهلية أنهكته، إلا أن تجاوز التجربة المريرة يبدأ بقراءتها، وهذا ما سعت إليه جمعية السبيل سنة 1997، كمبادرة من مجموعة من الأصدقاء الذين شهدوا مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب، ووجدوا أن الجانب الثقافي العام لبيروت لا يحظى بالاهتمام اللازم لإعادة إعمار المجتمع، كما يعاد إعمار البنى التحتية والمنازل. وعليه جاءت فكرة إنشاء وتنشيط  سلسلة من المساحات العامة الجامعة، المجانية والمفتوحة للجميع، تروج للمطالعة والقراءة، لتنشئ بالشراكة مع بلدية بيروت شبكة مكتبات عامة تغطي كافة أحياء المدينة المنكوبة.

افتتحت مكتبة الباشورة عام 2001 لتكون أول مكتبة عامة، امتدت على مساحة 350 متر مربع، وبعد نجاح التجربة الأولى، أنشأت مكتبة أخرى في منطقة الجعيتاوي، في قلب حديقة عامة  تتوسط الحي، ليليها افتتاح مكتبة ثالثة في منطقة مونو، ضمن حي غني بالمؤسسات الثقافية والتربوية والفنية، ورأى القائمون على إدارة هذه المكتبات أهمية الوصول إلى الجميع، فكانت المكتبة المتنقلة تجوب الأحياء البيروتية للوصول إلى شريحة أوسع من المستفيدين/ات وطلاب المعلومة.

موقف المكتبات العامة من العنصرية 

يخبرنا السيد علي صباغ المدير التنفيذي في جمعية السبيل المشرفة على المكتبات، أن المكتبات العامة في بيروت تدار بعقلية كونها مساحات عامة، ومراكز مجتمعية، وأماكن للّقاء لا تقتصر مهمتها على تقديم المعلومة فقط، بل تتجاوزها لخلق تفاعل اجتماعي ثقافي إيجابي. يزورها سنوياً قرابة 30 ألف شخص، ويعار ما تقديره 20 ألف كتاب من كتبها، تنظم بحدود 150 نشاطاً مفتوحاً لجمهور متنوع عمرياً وثقافياً من مختلف الجنسيات، ولا يوجد أي قيود على الاستفادة من الخدمات التي تقدمها، ولا تمييز بين المستفيدين/ات من هذه الخدمات على أي صعيد، حيث يمكنك استعارة أربعة كتب شهرياً وبشكل مجاني من أي مكتبة، بتعبئة طلب الإعارة وصورة عن وثيقة شخصية فقط.

كما يمكنك المشاركة في كافة الفعاليات التي تنظمها، والندوات التي تقام فيها، وتستقبل خلالها كتاباً عرباً ولبنانيين، لنقاش أعمالهم وآخر إصدارتهم، كما تقدم نشاطاً سينمائياً بالتعاون مع نادي "لكل الناس"، حيث يعرض مرة كل شهر، فيلم وثائقي لمخرجين محليين ومقيمين بحضورهم، يلي عرض الفيلم نقاش مباشر مع مخرج/ مخرجة العمل.

ولا تغفل المكتبات في نشاطها الأصدقاء الصغار، حيث تخصص يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع لنشاط القصة الأسبوعية، تفتح فيها المكتبات أبوابها للأطفال، حيث يستمعون للقصص، ثم يقومون بأنشطة ما بعد القصة بأشغال يدوية متنوعة، تزيد من رغبة الأطفال بالقراءة، وتجعل من المكتبات مكاناً للمرح والتعلم.

عن مشروع العيش معاً

وهو أحد مشاريع الجمعية، تعمل من خلاله على تقديم دليل تدريبي لأمناء المكتبات، يحتوي على عدد كبير من الأنشطة الدامجة وأفكار للتوعية بثقافة الاختلاف، وتقبل التنوع والتفاعل معه بطرق سلمية، وتركز على فكرة العيش معاً، بالإضافة  لورشات عمل تصب جميعها في خدمة العيش المشترك وتقبل الآخر، كمحترفات الكتابة الإبداعية، محترفات التصوير الفوتوغرافي، ومحترفات الأشرطة المصورة. وكذلك نشاطات التعريف بالثقافات المتنوعة، حيث نظمت أمسية سودانية في إحدى المكتبات، قدم خلالها مجموعة من المأكولات الشعبية السودانية، وعرض موسيقي، رافقه تعريف بالأزياء الشعبية.

وغيرها من الأنشطة الهادفة إلى بناء مجتمع إنساني، عماده الثقافة والمحبة، وسبيله إلى ذلك القراءة والتفاعل الاجتماعي المتنوع والمتقبل للاختلاف كظاهرة حميدة تميز المجتمعات البشرية، إذ يؤكد لنا السيد علي صباغ المدير التنفيذي لجمعية "السبيل" أنهم يحرصون من خلال نشاطاتهم على التعريف بالثقافات المتنوعة، ويراعون التنوع في جنسيات العاملين معهم، كما يشجعون على الاختلاط ضمن الأنشطة التي ينظمونها قائلاً: "نحن نؤمن بأن الثقافة والفن قادران على اختراق كل الأحكام المسبقة، لخلق تفاعل إيجابي يكسر الكثير من الحواجز".

*تصميم: آية خربوطلي