حين نسيت طفلي في سريره
نور الدين اسماعيل
على صراخ زوجتي استيقظت عند الرابعة وبضع دقائق فجراً، نهضت بسرعة، الأرض تتحرك تحت قدميّ في مشهد لم أعشه من قبل.
انقطعت الكهرباء ومعها اختفى الاتصال بالإنترنت، وعلى مصباح الهاتف الخليوي حملت الأولاد إلى الشارع.
لشدة الرعب أمسكت بطفلاتي القادرات على المشي، فيما نسيت طفلي الأصغر الذي استيقظ باكياً، لا يدري ما الذي حصل.
عدت أدراجي وحملت الطفل ونزلت إلى الشارع الذي بدأ يغص بالجيران من أهالي الحي، الجميع يصرخون، الأطفال يبكون، النساء يركضن ممسكات بصغارهن.
الأمطار الغزيرة تحاصر الواقفين تحتها، الذين يحاولون التصرف "كما يجب" في حالة الزلازل، عبر الابتعاد من الجدران والأسقف والأشجار، فإما أن نتظلل بسقف قد ينهار في أي لحظة، أو الوقوف تحت وابل من الأمطار المتواصلة.
ونتيجة برد شديد بدأ يسري في أطرافي تذكرت أنني حافي القدمين، وبالبيجاما الصوف، صعدت على الفور وارتديت أول بنطال وجدته أمامي، لتبدأ هزة ارتدادية مماثلة، قيل إن شدتها تجاوزت 6.5 درجات على مقياس ريختر، إلا أنني نزلت قبل أن تنتهي.
كان الهدف الأول بعد النجاة من اللحظات الأولى للكارثة، والاطمئنان على سلامة أمي، هو الابتعاد من التجمعات السكنية، وعلى غير هدى اتجهنا خارج مدينة إدلب.
سلكنا طريقاً ضيقة تغص بالسيارات التي تقل العائلات الهاربة إلى خارج المدينة.
طفلٌ في سيارة كانت قبالتي يتلفت يمنة ويسرة، لعلّه يفهم ما يحصل بالفعل، فغمرته أمه بغطاء صوفي أبقى عينيه مكشوفتين تتابعان النظر إلى العالم بعجب.
لم أكن أدري أنني بالقرب من مبنى مكون من 6 طبقات انهار على رؤوس ساكنيه النائمين، لم يتمكنوا من الهرب.
في تلك اللحظة، كانت أصوات سيارات الإسعاف والدفاع المدني تملأ المكان، إضافة إلى هدير السيارات التي تسابق الزمن للوصول إلى منطقة الكورنيش، في محيط مدينة إدلب، وهي منطقة خالية من الأبنية السكنية.
على جانب الطريق، وبين سيارتين تمكنت من ركن سيارتي، وبدأت أراقب الطريق الذي برغم امتداده على محيط المدينة، لم يتسع للهاربين من جحيم جديد حل على السوريين الذين عايشوا مختلف أنواع الكوارث.
كان الوقت ثقيلاً... لم نكن نعرف ما الذي ننتظره، ومتى نعود إلى المنزل، وكم هي المدة التي سنحترس خلال من الأبنية السكنية، وربما– بيني وبينكم– كنت شخصياً أنتظر مبادرة من أصحاب السيارات المركونة بقربي بالعودة لأعود أنا أيضاً، فالمسؤولية الملقاة على عاتق الأهل كبيرة، حين يتشبث بك طفلك وهو في حالة هلع، معتقداً أنك أمانه وملجأه، بينما تحاول أن تتماسك أمامه وتبدو قوياً.
بعد تفكير طويل، قررت العودة وقد تجاوزت الساعة السابعة صباحاً، وكانت السماء ما زالت تجود بما لديها من أمطار غزيرة، إلا أنّ الخوف كان مما تخبئه الأرض من مفاجآت جديدة، ومع وصولنا إلى البيت، وانكشاف حجم الكارثة حين شبكنا هواتفنا بخدمة الإنترنت التي نجت مع الناجين بأعجوبة، بات هاجسنا الوحيد هو الهزات الارتدادية، التي أبقتنا متأهبين لأيام.
عند الواحدة بعد منتصف يوم الإثنين، وهو اليوم الأول بعد الزلزال، شعرنا بهزة مشابهة للزلزال الذي وقع فجراً، فانطلقنا هاربين باتجاه السيارة مجدداً، لتبدأ رحلة "رهاب" ما بعد الزلزال، والتي ترافقنا إلى الآن، بخاصة مع بدء انتشار الشائعات المختلفة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن هزات ربما تكون أقوى وأشد، وحسابات وهمية تحدد توقيتها وشدتها.
أمضينا يومنا متأهبين، كالملايين من سكان شمال غربي سوريا، بينما كانت فرق الإنقاذ والدفاع المدني منهمكة في البحث عن ناجين، وانتشال الضحايا، وهي محاولات لم تنتهِ حتى لحظة كتابة هذه السطور.
قبل قليل شدت انتباهي تشققات شعرية بدأت تظهر في جدران المنزل الذي أقيم فيه، ما أعاد كابوس الهزات الارتدادية مرة أخرى.
شقوق المنزل، هل يتداعي؟
شقوق المنزل، هل يتداعي؟
الرحمة للضحايا، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين، والصبر والسلوان والعزاء لنا جميعاً...
