ما الذي يحدث في دير الزور؟
20 معلومة تساعدك و15 سؤالاً بلا جواب!
ما الذي يحدث في دير الزور، سؤال ضمن حزمة أسئلة كثيرة، يتردد من قبل السوريين والمراقبين للتطورات الأخيرة في المحافظة شرقي البلاد، بالتزامن مع الاشتباكات منذ أيام بين مسلحين من بعض العشائر والقبائل ضد عناصر من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
في ظل تعقيد المشهد على غير المتابع، توجد معلومات كثيرة مجهولة، وأخرى مشوّشة ومتشابكة، من ناحية النفوذ العسكري، وتقاسم السيطرة في المحافظة بين قوى عدّة، لها تحالفاتها ودعمها، مع انتشار لقواعد أجنبية وحديث متكرر عن "شبح داعش".
يضاف لما سبق، عدم وضوح الصورة لدى كثر أيضاً، حول التركيبة العشائرية والاجتماعية في دير الزور. أسئلة كثيرة تطرح حول العشائر هناك، تترك غالباً بلا أجوبة واضحة لدى المهتمين بتفكيك المشهد الجاري حالياً، لفهم أكبر لمجريات الأحداث.
سنحاول في هذه المادة، أن نقدّم لكم معلومات طرحت حولها الكثير من الأسئلة في الأيام القليلة الماضية، كما نترك أسئلة أخرى معلّقة، لعدم وجود إجابات واضحة أو مؤكدة حولها، سنقدمها لكم حال توفرها واتضاح سياقها واكتمال المعطيات الخاصة بها.
لنبدأ بالسؤال الأول.. كيف بدأت الاشتباكات؟
يوجد في "قوات سوريا الديمقراطية" المسيطرة على مناطق واسعة في شمالي شرقي سوريا، مجلس عسكري خاص بمحافظة دير الزور اسمه "مجلس دير الزور العسكري"، كان يرأسه لسنوات، أحمد الخبيل الملقب بـ"أبو خولة".
شهدت الأشهر الماضية، توتراً في العلاقة بين "الخبيل" و"قسد" التي يتبع لها، انتهت بما وصف "استدراج" له من قبل الأخيرة، إلى مقر "استراحة الوزير" الرئيسي في ريف الحسكة، واعتقاله.
مع انتشار نبأ الاعتقال، انطلقت الشرارة الأولى للاشتباكات، إثر خروج شقيق "الخبيل" بمقطع مصور يقدم مناشدة للقبائل العربية، استجاب على إثرها، بالدرجة الأولى، موالون لـ"أبو خولة" ومسلحون من أقاربه، وهاجموا نقاط عسكرية لـ"قسد" في المنطقة.
هل من يقاتل "قسد" هم فقط "جماعة أبو خولة"؟
لا. بعد الأيام الثلاثة الأولى لم يعد يقتصر الأمر على أقارب "أبو خولة" وعناصر يتبعون له.
اتسعت رقعة الاشتباكات وانضم لها مقاتلون من عشائر أخرى إضافة لعناصر من "مجلس دير الزور العسكري"، رداً على حملة دهم واعتقالات نفذتها "قسد" في عدد من القرى والبلدات في المحافظة، واتهامات باعتدائها على نساء وأطفال.
وشكّل إعلان شيخ قبيلة "العكيدات"، إبراهيم الهفل، دخوله على خط المواجهة ودعوته لحشد المسلحين من أبناء القبائل والعشائر، نقطة تحول من ناحية أعداد المنخرطين في المعارك الدائرة حالياً.
من هم "العكيدات"؟
"العكيدات" هي أكبر قبائل محافظة دير الزور، وتتكون من عدد من العشائر، ويمتد عمقها إلى محافظات الرقة وحمص وريفي دمشق وحلب، ودول عربية أخرى، أبرزها العراق.
شارك نسبة واسعة من أبناء عشائر "العكيدات" في الحراك السلمي مع انطلاق الثورة السورية في 2011، كما ساهم عدد من مسلحيها والمنشقين عن صفوف قوات النظام السوري، في تأسيس كتائب تابعة لـ"الجيش السوري الحر".
تشير تقديرات محلية غير رسمية، أن عدداً قليلاً "جداً" من أبناء "العكيدات" انضموا لتنظيم "الدولة الإسلامية"، مقابل أعداد أكبر انخرطت في المعارك ضده، بعد سيطرة "قسد" مدعومة بالتحالف الدولي على الريف الشمالي لدير الزور قبل سنوات.
واحدة من عشائر "العكيدات"، هي البكيّر.
ينتمي "أبو خولة" إلى عشيرة "البكيّر"، وأصبح يعرف عنه البعض في الفترة الأخيرة، بـ"أمير قبائل البكيّر"، بدلاً عن قائد "مجلس دير الزور العسكري".
ما موقف باقي القبائل الكبرى؟
تعتبر قبيلة "البكّارة" هي ثاني أكبر القبائل في دير الزور، وأبرز مشايخها هو نواف البشير، الداعم لبشار الأسد، والذي تصفه تقارير إعلامية بـ"رجل إيران وحزب الله الأول المنطقة".
لم يتأخر نواف البشير بالظهور بعد بدء الاشتباكات، وظهر في مقطع مصوّر وصفه البعض بالطائفي والتحريضي، لاحتوائه على توصيفات وشتائم تعميمية، مطالباً بقتال "قسد"، وعناصرها العرب والكرد، وطردها من دير الزور كاملة.
وتوعد في مقابلة متلفزة بمحاربة "المشروع الصهيو- أمريكي"، والسيطرة قريباً على كامل دير الزور للتوجه لاحقاً إلى الحسكة والقامشلي ومناطق سيطرة "قسد" في شرقي سوريا.
ماذا عن العشائر الأخرى؟
يوجد التكتل الأكبر لبعض العشائر على الضفة الغربية لنهر الفرات، فلم يصدر منها موقف موحد أو مباشر تجاه الاشتباكات الأخيرة، لسيطرة النظام وإيران.
أبرز اسم في إرسال "التعزيزات العشائرية"، هو عشيرة الشعيطات، إذ أظهرت مقاطع مصورة، انضمام عدد من مسلحيها إلى المواجهات ضد "قسد".
وقتل المئات من أبناء الشعيطات على يد "داعش"، بما يعرف في "مجزرة الشعيطات"، ما دفع المئات للانضمام إلى الحرب ضد التنظيم، تحت قيادة "قوات سوريا الديمقراطية"، قبل أن ينسحب غالبيتهم من "قسد" مع انتهاء المعارك، حسب تقارير محلية.
وعشائر الرقة والحسكة؟
لم يصدر موقف رسمي من أبرز الشيوخ، مثل قبيلتي البوشعبان في الرقة وشمر في الحسكة.
شيوخ مقربون ويعملون لصالح "قسد" و"الإدارة الذاتية" أعلنوا في بيانات مصورة، وقوفهم إلى جانبها، الأمر الذي استنكره كثر من أبناء المحافظتين، معتبرين أن هؤلاء "لا يمثلون عشائرهم".
صدرت دعوات من مشاركين في حراك العشائر، لإرسال مؤازرات عشائرية من الرقة والحسكة وصولاً إلى منبج وريف حلب، في حين طالب آخرون بسحب المقاتلين من أبناء القبائل في "قسد" ودعوتهم للانشقاق الفوري عنها.
هل هناك أكثر من شيخ للـ"العكيدات"؟
عائلة "الهفل" من بلدة ذيبان في دير الزور، هم شيوخ "العكيدات".
هناك أربعة أسماء تبرز حالياً في القبيلة، إبراهيم ومصعب وجميل وهفل.
بعد وفاة شيخ القبيلة، خليل عبود جدعان الهفل، في 2016، أعلنت عشائر القبيلة "بيعة" لابنه مصعب، كشيخ لهم.
أوكل مصعب المقيم في قطر، حتى الآن، إدارة شؤون القبيلة في سوريا، لشقيقه إبراهيم، الشاب الذي يقيم في بلدة ذيبان.
أما الاسم الثالث، هو جميل رشيد الهفل، الرجل الستيني الذي برز اسمه في السنوات الماضية كأحد أبرز زعامات القبيلة، والذي يعتبر نفسه، وفق مصادر محلية، منافساً لخليل، والد كل من مصعب وإبراهيم.
اسم رابع، تردد في الأيام القليلة الماضية، وهو هفل جدعان الهفل (عم مصعب وإبراهيم) المقيم في الولايات المتحدة، إذ تناقلت صفحات محلية تسجيلات صوتية، تتحدث عن تكليفه من قبل التحالف الدولي لإدارة ملف التفاوضات مع "قسد"، وسط تشكيك بالرواية.
ما حجم نفوذ "أبو خولة"؟
من صدّر"أبو خولة" وجعل نفوذه يكبر في المنطقة، هي "قوات سوريا الديمقراطية" بالدرجة الرئيسية، إضافة للتحالف الدولي مع عدد واسع من أبناء المنطقة.
بحكم نفوذه العسكري والأمني، حصل أحمد الخبيل "أبو خولة" على تأييد عدد من رجال القبائل والعشائر في المنطقة، رغم الاتهامات بارتكابه لانتهاكات واسعة، وبروز اسمه فقط عند قدومه من تركيا لقيادة "المجلس"، في ٢٠١٦، دون أن يكون له أي وزن اجتماعي أو عسكري قبل ذلك، وفق مصادر محلية.
ظهر "أبو خولة" في مقطع مصوّر نشر بداية العام الحالي، خلال مصالحة بين "العكيدات" التي ينتمي لها و"البكارة" (عشيرة والدته حسب قوله)، قائلاً إن فصيله "درع عسكري لأهله"، مشرفاً على الصلح بين القبيلتين.
ولم يحضر في المصالحة المذكورة، إبراهيم الهفل أو نواف البشير، بل حضر جميل رشيد الهفل عن "العكيدات" وحاجم البشير عن "البكّارة"، وعبّرا عن وحدة الصف بين قبيلتيهما ونبذ الخلافات بينهما.
علاقة "أبو خولة" بالـ"هفل"؟
قبل نحو شهر، هاجم أحمد الخبيل "أبو خولة" كل من مصعب وإبراهيم وجميل الهفل، واصفاً إياهم في تسجيل صوتي بعبارات نابية ولاذعة.
وجاء الهجوم، بعد سعي "أبو خولة" منذ 2019 لإنشاء "إمارة البكيّر" يكون هو "أميرها"، معتبراً أنه لا يحتاج موافقة من المشيخة التقليدية لـ"العكيدات"، وأنه يحظى بدعم من مشايخ ووجهاء من أبناء عشيرته.
يتهم "أبو خولة" بارتكاب انتهاكات على نطاق واسع خلال السنوات الفائتة، وتشير بعضها إلى جنايات سرقة سجلت بحقه قبل بدء الثورة.
في المصطلحات.. ماذا يعني "غرب الفرات" و"شرق الفرات"؟
يخترق نهر الفرات محافظة دير الزور، ليقسم أراضيها إلى نسبة واسعة تقع على الضفة الشرقية وأخرى في الغربية.
وتقع مناطق "غرب الفرات" تحت سيطرة قوات النظام والميليشيات الإيرانية إضافة للتواجد الروسي، وأبرز المدن في المحافظة تقع في هذه الجهة، منها دير الزور (المركز) ومدن البوكمال والميادين وموحسن.
أما مناطق شرق الفرات، وهي التي تقع على الضفة الشرقية للنهر، تضم مساحات واسعة من الأراضي السورية تقدر نسبتها بـ35 في المئة من إجمالي مساحة البلاد كاملة، تسيطر على غالبها "قسد"، أبزر البلدات الشحيل والصور والبصيرة وذيبان وهجين.
حقول النفط والنسبة الأكبر من الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، تتواجد في شرق الفرات.
أبرز القواعد الأمريكية في دير الزور، تقع بمحاذاة نهر الفرات من الناحية الشرقية (شرق الفرات)، في كل من حقلي العمر وكونيكو.
هناك تواجد محدود لقوات النظام في مناطق شرق الفرات، بعد عقد اتفاقات مع "قسد" بوساطة روسية، لكن ليس ضمن الحدود الإدارية لدير الزور، بل في شمالي محافظة الرقة ومناطق عديدة بالحسكة، إضافة لمنطقة عين العرب "كوباني".
سؤال بسيط.. لماذا "يتصارع الجميع" على دير الزور؟
كتبت الكثير من التحليلات والأبحاث والدراسات حول ذلك، لكن سنحاول اختصار الإجابة، بأن إيران تحرص على السيطرة الكاملة على المنطقة، التي تشكل عقدة مرور رئيسية في خط نفوذها، من طهران إلى دمشق.
أما "قسد"، فسيطرتها على المنطقة تعني التحكم بحقول النفط، وهو ما يجعل منها لاعباً رئيسياً بالمشهد السياسي في سوريا، ويوفر لها دعماً اقتصادياً بملايين الدولارات يومياً، حسب بعض المحللين.
النظام هو الآخر ومعه روسيا، يسعى إلى استعادة السيطرة على المنطقة، للتخفيف من أزمة الوقود التي تعاني منها مناطق سيطرته، و"العودة لنهب الخيرات في المحافظة"، وسعي موسكو لإزاحة الولايات المتحدة عن حقول النفط، وبالتالي حصولها على عقود لاستخراج النفط وتصديره في سوريا، لعشرات السنوات، كما حصل في الغاز والفوسفات.
السكان المحليون والقبائل العربية، النسبة الأوسع حسب شهادات محلية، تريد إدارة مناطقها بكوادر من أبنائها، بإشراف مباشر من التحالف الدولي، لدعم المنطقة خدمياً واقتصادياً، في ظل ما يوصف بسياسية "التهميش والتفقير الممنهج"، منذ حكم حافظ الأسد وصولاً إلى "قسد"، حسب ما يكتب صحافيون.
تشير تقارير خلال السنوات الماضية، أن العشائر استفادت هي الأخرى مالياً، عبر عمليات تكرير للنفط بطرق بدائية، وحرص كل عشيرة على مشروع نفطي خاص بها، عبر متنفذين فيها.
بالعودة لآل الهفل.. ما مواقفهم السياسية؟
إبراهيم:
البداية من موقف إبراهيم، وهو الشاب الثلاثيني الذي لم يكن له ظهور كبير في السنوات الماضية.
يبرز له تصريح سابق يهاجم تركيا والفصائل من أبناء المنطقة التي تقاتل بدعم منها، واصفاً قواتها بالـ"الاحتلال" والفصائل المحلية إلى جانبها بـ"المرتزقة".
في أكثر من كلمة، شدّد إبراهيم الهفل على ضرورة إدارة أبناء المنطقة العرب لشؤون دير الزور، بالتنسيق مع التحالف الدولي، منتقداً "قسد" وإن كان بشكل غير مباشر.
تحدثت تقارير إعلامية، عن زيارة ولقاء أجراه إبراهيم مع قيادات تابعة للنظام السوري وإيران في دير الزور في آب 2019، إثر الحديث عن نية الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من سوريا.
اللقاء مع مسؤولين من النظام وإيران، سبب انتقادات وجدل محلي حينها.
نفى إبراهيم الهفل، قبل أيام، في تصريح لصحيفة "العربي الجديد"، وجود أي تنسيق له مع النظام وإيران أو علاقة لهما، بالحراك الأخير.
مصعب:
الشقيق الأكبر، مصعب، وفي آخر تصريح له، منذ أيام، نفى وجود أي صلة لحراك العشائر الأخير مع النظام السوري أو إيران.
سبق أن ظهر الشيخ مصعب الهفل، في مقطع مصور بقطر، إلى جانب الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري، معاذ الخطيب، خلال زيارته لقبيلة محلية هناك.
جميل:
وصف الكاتب "ورد فراتي" في مادة بموقع "نون بوست"، موقف جميل الهفل، بعد انطلاق الثورة بـ"المتذبذب".
في الأشهر الأولى للثورة، أعلن جميل في اتصال متلفز، أنه معها ويدعمها، ثم انقلب، عبر لقائه بشار الأسد مع عدد من ممثلي القبائل والعشائر والثناء عليه، ليعود إلى التزام الموقف الحيادي والصمت خلال فترات سيطرة القوى التي تعاقبت على المحافظة، مع عودته للمشهد العام مع سيطرة "قسد".
ظهر جميل في السنوات الماضية، كقائد فعلي لكثير من أبناء العكيدات، وتخشى "قوات سوريا الديمقراطية" من تنامي دوره، حسب "الفراتي".
هفل الهفل:
يقيم في أمريكا، ولا يوجد معلومات كثيرة عن موقفه السياسي، فيما تشير مصادر محلية لمعارضته للنظام وإقامته منذ مدة طويلة خارج البلاد، لكن دائماً ما يقرن اسمه بالتحالف الدولي وأنه "رجل المرحلة المقبلة" عشائرياً، لدى الولايات المتحدة، وتبقى روايات متداولة غير مؤكدة.
ما شكل العلاقة بين "الهفل" و"قسد"؟
يمكن وصفها بالـ"متوترة والمتنافرة" بشكل عام.
بعد وفاة شيخ العكيدات البارز، خليل عبود جدعان الهفل، تولى نجله مصعب مشيخة القبيلة.
في نيسان 2019، خرج الشيخ مصعب في مقطع مصور من العاصمة القطرية الدوحة، مفوضاً شقيقه إبراهيم بإدارة شؤون القبيلة في سوريا، لحين عودته.
تعرض إبراهيم الهفل، الذي يعتبر حالياً "قائد" المعارك ضد "قسد"، لمحاولة اغتيال في آب 2020، أدت لإصابته ومقتل أحد أبرز شيوخ القبيلة، مطشر حمود الهفل، الذي كان يرافقه في السيارة، بمنطقة تسيطر عليها "قسد".
يرجح أن هذا الحدث اعتبر نقطة فارقة في علاقة "العكيدات" مع "قسد".
بعد أيام من الاغتيال، وفي بيان مصور، حمّلت قبيلة العكيدات "قسد" مسؤولية الفلتان الأمني والفساد الإداري والعسكري وسلسلة الاغتيالات، ووجهت في حضور إبراهيم الهفل، دعوة للتحالف الدولي لتسليم إدارة المنطقة لأبنائها "على أن يأخذ المكون العربي دوره الكامل في إدارة مناطقه وقيادتها".
أي أن فكرة إدارة المنطقة من قبل القبائل العربية، ليست جديدة، وتطرح بشكل متكرر منذ 2019.
بالنسبة لـ"البكارة".. هل نواف صاحب القرار فيها؟
في جميع القبائل السورية، لم يعد القرار لشيخ العشيرة أو مشايخها، غالباً، وبات تأثيرهم شبه معدوم، خاصة بعد بدء الثورة، إلا في قضايا الصلح ومناسبات الفرح والعزاء.
غالبية القبائل والعشائر في سوريا، لها مشايخ يقيمون في مناطق السيطرة المختلفة أو خارج البلاد، وكل منهم يعرف عن نفسه بأنه "شيخ العشيرة"، وذلك لاعتبارات سياسية واجتماعية عديدة.
في قبيلة "البكارة"، يبرز اسمان، الأول هو حاجم البشير، الذي يقيم في المناطق التي تسيطر عليها "قسد"، وأعلن موقفاً اعتبره صحافيون وناشطون بـ"المتأخر والخجول" تجاه الاشتباكات الأخيرة.
وطالب حاجم، شيخ البكارة، في تسجيل منسوب له، تشكيل مجلس شورى للقبائل لـ"عدم إراقة المزيد من الدماء"، والتفاوض مع التحالف الدولي.
الاسم الثاني، هو نواف البشير، الذي يعرف أيضاً عن نفسه كشيخ لمشايخ البكارة في سوريا، ويعرف بمواقفه الداعمة للنظام السوري وإيران، وتحدثت تقارير صحافية عن "استغلاله" للمعارك الأخيرة، كفرصة لإيجاد ثغرة يمكن من خلالها تمدد الميليشيات الإيرانية في المنطقة.
نواف البشير عرف كداعم للثورة السورية في بدايتها، قبل أن يعود إلى دمشق في 2017 إلى جانب بشار الأسد وتأسيس ميليشيا "أسود العشائر" المدعومة إيرانياً، بهدف جذب بعض أبناء المنطقة للانضمام إليها والقتال لصالحها، وهو ما تمكّن منه.
هل السعودية هي من تدعم العشائر في دير الزور؟
يربط المملكة بعشائر وقبائل سوريا، علاقات منذ عقود، قائمة على الروابط القبلية بين الطرفين.
الحديث عن الدور السعودي في ديرالزور، ظهر في 2019، مع عدة زيارات إلى المحافظة، لوزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، ولقائه مع عدد من الوجهاء والشيوخ في ديرالزور والرقة والحسكة، لتقديم دعم مالي وسياسي لهم، مقابل الانخراط أكثر في صفوف "قوات سوريا الديمقراطية".
جرى الحديث لاحقاً، عن دعم سعودي وخليجي لتشكيل كيان عسكري "عربي سنّي" في المنطقة، لكن دور المملكة وحضورها العلني في المشهد في شمالي شرقي سوريا، غاب بشكل شبه تام لاحقاً.
حديث متكرر عن "داعش".. ألم يعلن القضاء عليها؟
بعد معركة التحالف الدولي و"قسد" ضد فلول تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في بلدة الباغوز، بقيت جيوب وبؤر للتنظيم في صحراء البادية السورية، دون سيطرة فعلية على أي قرية أو مدينة في دير الزور.
يعتمد ظهور "داعش" على الكمائن فقط وتبنيه لعمليات اغتيال وهجمات عبر خلاياه.
أبرز هجوم للتنظيم وآخره، كان الشهر الفائت، عبر استهداف حافلة لقوات النظام في منطقة الميادين، أدى لمقتل وجرح العشرات.
أين التحالف الدولي مما يحصل الآن؟
وصف موقف التحالف الدولي بالمحايد والصامت، إذ ذكر في بيان أنه يركز على العمل مع "قسد" لضمان "الهزيمة الدائمة لتنظيم داعش، دعماً للأمن والاستقرار الإقليميين".
وأعلنت "السفارة الأمريكية في دمشق" عن لقاء لمسؤولين أمريكيين مع قادة في "قسد" ووجهاء قبائل في دير الزور، واتفقوا على أهمية معالجة مظالم سكان دير الزور وضرورة وقف تصاعد العنف.
مصعب الهفل، نفى حضور أي ممثل من قبيلة العكيدات للاجتماع الذي أعلن عنه التحالف، معتبراً أن ممثلي العشائر الذين وجهت لهم الدعوات هم من المحسوبين على "قسد".
أشار مصعب في تصريح لموقع الجزيرة.نت، إلى لقائه في الدوحة مع ممثل وزارة الدفاع ورئيس القسم السياسي في السفارة الأمريكية بقطر.
ما هدف "حراك العشائر" الأخير؟
يتلخص هدف "الانتفاضة العشائرية"، حسب إبراهيم الهفل، بإدارة أبناء المنطقة العرب لشؤونهم ومناطقهم، بإشراف التحالف الدولي، وعدم تواجد لـ"قسد" فيها.
اعتبر في حديثه مع "العربي الجديد"، أن ما يريده الحراك، هو ضمان حقوق أهل دير الزور وبسط الأمن والاستقرار في المنطقة، عبر إيجاد جسم مدني جديد منتخب من أبناء العشائر، مستقل عن "الإدارة الذاتية".
ويرى الهفل أن انسحاب كوادر "قسد" يجب أن يكون بقرار رسمي علني من التحالف، وتسلم إدارة المنطقة لمجلس عسكري عشائري جديد مستقل ومنتخب من أعيان العشائر، وتوكيل المهام لقادة العشائر لسد الفراغ الأمني، بالتعاون وبإشراف التحالف.
وفي اتهامات يتبناها ناشطون وصحافيون من أبناء المنطقة، قال الهفل إن "قسد" تحاول السيطرة التامة على دير الزور، في ظل "ارتكاب تجاوزات وتراكمات سابقة وممارسات عنصرية وتلفيق التهم وخلق النزاعات بوجود تنظيمات إرهابية بين العشائر، لإقناع التحالف، واستخدامها كذريعة لتنفيذ أجنداتهم".
وسبق أن خرجت مظاهرات واحتجاجات بشكل دوري، على مدار السنوات الماضية، ضد "قسد" والمجالس التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، بسبب "سوء الإدارة وسرقة ثروات المنطقة وتفرد قيادات قنديل بقرار المنطقة".
بالمقابل.. ما الذي تريده "قسد"؟
أعلنت "قسد" عزل أحمد الخبيل "أبو خولة" من منصبه، بسبب "ارتكابه لجرائم جنائية بحق الأهالي والاتجار بالمخدرات (...) وتواصله وتنسيقه مع جهات خارجية معادية"، معتبرة أن قائد "مجلس دير الزور العسكري" السابق، استغل منصبه لمصالح خاصة وعائلية وأساء إدارة الوضع الأمني.
تقول "قسد" إن عمليتها الحالية في دير الزور التي تحمل اسم "تعزيز الأمن"، هي لملاحقة عناصر "خلايا داعش والعناصر الإجرامية".
يعتبر ناشطون وصحافيون من أبناء دير الزور، أن "قسد" تستخدم "داعش والإرهاب كشماعة، لفرض نفوذها الكامل وتهميش أي دور للعشائر العربية في المنطقة".
تتهم "قسد" شيخ "العكيدات" إبراهيم الهفل، بـ"إراقة دماء مقاتليها وتشريد المدنيين، وتخريب المؤسسات الخدمية المدنية وتزعم محاولات إشعال الفتنة بناء على أوامر من جهات خارجية"، إضافة لزعمها أنه استجلب عناصر تابعين للنظام وإيران من مناطق غربي النهر، مؤكدة أنها لن تعفو عنهم.
كذلك، اتهم مظلوم عبدي الحراك الأخير بأنه نتيجة لـ"مخططات النظام السوري" للسيطرة على شرق الفرات، عبر إدخاله لمجموعات مقاتلة من غرب الفرات، الأمر الذي ينفيه بشكل قاطع صحافيون محليون ومن يقودون "حراك العشائر".
هل الاشتباكات هي "كردية - عربية"؟
مع بدء الاشتباكات، حذر حقوقيون سوريون من محاولة تصدير ما يحصل في دير الزور على أنه "صراع عربي - كردي"، لخطورة ما قد يحمله للمنطقة من اقتتال أهلي مستقبلاً، وتصاعد في خطاب الكراهية، على حد وصفهم، مشددين أن ما يحصل هو "جهة عسكرية يسيطر عليها قيادات كردية، تقاتل عدد من أبناء المنطقة العرب".
حسب تصريح متلفز لقيادي في "قوات سوريا الديمقراطية"، فإن أغلب المقاتلين الذي يواجهون "مسلحي العشائر" حالياً في دير الزور، هم من "المكوّن العربي".
تضاربت الأنباء حول مصير عناصر "مجلس دير الزور العسكري" بعد اعتقال وعزل "أبو خولة"، إذ تشير معلومات لمشاركة قسم كبير منهم في المعارك ضد "قسد"، فيما تنفيها مصادر أخرى، وتقول إن الغالبية إما اعتزلوا القتال أو يقاتلون ضد مسلحي العشائر.
أظهرت مقاطع مصورة مشاركة رئيسية لعناصر ومقاتلات في "وحدات حماية الشعب الكردية" و"وحدات حماية المرأة"، في الاشتباكات الأخيرة، ويعتبر الفصيلان العمود الفقري والمسيطر الفعلي في "قسد".
هل "مقاتلو العشائر" ضد "قسد" الآن.. هم "دواعش"؟
يصف صحافيون سوريون ومن أبناء دير الزور، أن تداول مثل هذا التوصيف يعتبر "إهانة وإساءة" لما قدمه أبناء المنطقة في قتالهم للتنظيم وما ارتكبه عناصر "داعش" بحق سكان المنطقة.
ويعتبر الصحافيون، أن مثل هذا الوصف يسهم في خطاب كراهية ضد سكان المنطقة، عبر تنميط مضلل وخاطئ، شاع في السنوات الماضية، لدى البعض، بأن "الجزيرة السورية حاضنة للتنظيم، وكل من يسكنها هم دواعش".
ويؤكد أبناء المنطقة، أن المشاركين حالياً هم مدنيون حملوا السلاح لـ"الدفاع عن كرامتهم"، على حد وصفهم، ونسبة واسعة منهم شاركت في الحراك السلمي ضد جميع القوى التي تعاقبت على السيطرة في المحافظة، من النظام مروراً بالجيش الحر وجبهة النصرة و"داعش" وصولاً إلى "قسد".
ينشر صحافيون وسياسيون مستقلون من أبناء المنطقة، حول ضرورة التأكيد على أن "ليس كل الكرد في المنطقة قسديون وداعمون لها، كما أن ليس كل العرب دواعش، حسب ما يروج البعض".
ما آخر التطورات؟
خلال إخراج المادة النهائي، أعلنت "قسد" سيطرتها على بلدة ذيبان معقل "العكيدات"، بعد "وساطة عشائرية" على ما نقل ناشطون، ولم يعرف بعد مصير إبراهيم الهفل وإن كانت السيطرة على البلدة بمثابة إعلان انتهاء المواجهات.
شهدت البلدات والقرى على سرير نهر الفرات من الجهة الشرقية، مواجهات مستمرة في الأيام الماضية، أبرزها في بلدتي الشحيل والبصيرة.
يقول صحافيون محليون، إن "قسد" تحاول دفع إبراهيم الهفل إلى الهروب نحو مناطق سيطرة النظام في الضفة الغربية للنهر، لتؤكد روايتها بأنه "مدعوم وتابع لدمشق وتركيا"، حسب وجهة نظرهم.
"مقاتلو العشائر" يؤكدون في مقاطع يومية من ذيبان وبلدات أخرى، أنهم يقاتلون ويستولون على عربات وأسلحة من "قسد"، مع أنباء عن وصول تعزيزات "عشائرية" إضافية لهم.
وترد أنباء عن تدخل التحالف الدولي، لإدارة المفاوضات بين الطرفين، وسط تأكيد "الهفل" على قبوله بها والحديث عن رفض "قوات سوريا الديمقراطية" لها.
في شمالي سوريا، تقول مصادر إن فصائل من "الجيش الوطني" مدعومة تركياً، "استغلت" المناشدات العشائرية من دير الزور، لتطلق معركة تجاه مناطق سيطرة "قسد" في منطقة منبج، بهدف السيطرة على المدينة.
انتشرت مقاطع مصورة أن من يقاتل في ريف حلب، هم من "أبناء العشائر" وليس لهم صفة عسكرية، الأمر الذي تشكك به بعض المصادر، التي تقول إن من يقاتل هم مقاتلون في "الجيش الوطني" من خلفيات عشائرية، بدعم تركي.
تضيف المصادر، أن عدم مشاركة المقاتلين من أبناء العشائر بصفتهم العسكرية، بهدف "الالتفاف على الاتفاقات التركية - الأمريكية"، والقول أن "تركيا لا سيطرة لها على مقاتلين من العشائر يريدون الفزعة لدير الزور، ولا يمكن لها فرض أي اتفاق عليهم، لعدم الصدام مع المجتمع الأهلي".
كذلك أرسلت "هيئة تحرير الشام" تعزيزات تحت مسمى "مقاتلي عشائر" إلى جبهات القتال، حسب مصادر هناك، فيما تشير الوكالات المحلية أنهم مقاتلون من أبناء العشائر لا صلة لهم بـ"الهيئة".
أعلن في الساعات الماضية، عن معركة لـ"مقاتلي العشائر" تجاه مراكز سيطرة "قسد" في منطقة منبج.
في الأسطر السابقة، قدمنا معلومات قد تساعد القارئ على فهم أوضح لمجريات الأحداث الراهنة، والمعطيات في ديرالزور.
لكن، تبقى أسئلة كثيرة معلّقة تطرح أيضاً، لا يمكن الإجابة عنها، منها:
ما القادم في ديرالزور؟
ماذا لو سيطرت القبائل؟ ما قدرتها على إدارة المنطقة؟
ماذا لو سيطرت "قسد"؟ هل ستنتقم من "العكيدات" وأهالي القرى والبلدات التي واجهتها؟
هل المنطقة مقبلة على اقتتال أهلي؟
ماذا لو قتل إبراهيم الهفل؟ إلى أي حد قادرة العشائر أن تصمد؟
هل ستشهد المنطقة اقتتالات عشائرية لأسباب عدم المشاركة في الاشتباكات الحالية؟
هل ستسيطر إيران على المنطقة إن "انتصرت العشائر"؟
هل سيستغل النظام الفوضى الحاصلة ويدخل "شرق الفرات"؟
هل ستنسحب أمريكا إن سيطرت الميليشيات الإيرانية وأصبحت على تخوم قواعدها؟
هل ستفتح تركيا معركة ضد "قسد" في حلب والرقة والحسكة؟
هل تعود داعش؟
من المستفيد من الحاصل حالياً؟
هل ترتفع حدة خطاب الكراهية بعد ما حصل؟
إلى متى؟ وماذا بعد؟
وسؤال رئيسي لا يطرح كثيراً: بعد مقتل وإصابة المئات ونزوح وتهجير عشرات الآلاف في السنوات الماضية، من أبناء دير الزور، إضافة لتدمير نسبة واسعة من البنية التحتية على يد النظام وروسيا وقصف التحالف الدولي و"قسد"، في "المحافظة الغنية المنسية".