منكوبو الزلزال: لا خطة إسكان ولا سكن بديل.. مراكز الإيواء خيار وحيد
حبيب شحادة
يتمنى سكان حلب واللاذقية حصولهم على سكن بديل أو ترميم منازلهم التي تضررت أو أُخليت جراء الزلزال، لكن تجربة سكان ماروتا سيتي بدمشق مع السكن البديل ومعاناتهم مع محافظة دمشق لسنوات طويلة بعد إخلاء منازلهم بحجة التنظيم لا تبشر بنتائج إيجابية لناحية تحقيق أمنيات متضرري المدينتين.
قروض غير مجدية
علي، شاب سوري ثلاثيني متضرر هدم الزلزال منزله وخسر سيارته "مصدر رزقي"، كما قال، وطالب في حديثه لـ "روزنة"، الحكومة بإعادة بناء المنازل المهدمة والمتضررة من أموال المساعدات التي وصلت.
ويفترض الشاب الثلاثيني أنه في حال لجأ لقرض "ساند"، فأنه مضطر لدفع مبلغ 250 ألف ليرة شهرياً لمدة 6 سنوات، ويتساءل "كيف سأدفع 250 ألف ليرة وأنا بدون عمل"، بعد تحطم السيارة العمومية التي كان يعمل عليها ليكسب عيشه؟
في الـ 18 شباط/فبراير الجاري أطلق مصرف الوطنية للتمويل الأصغر قرض "ساند" لترميم وإعادة تأهيل المساكن المتضررة من الزلزال في حلب واللاذقية وحماة بقيمة تمويل تصل حتى 18 مليون ليرة سورية دون أي فائدة وعلى فترة سداد تمتد لست سنوات.
في ظل هذه الظروف، يوضح علي الذي يسكن اليوم في منزل أقاربه في جبلة، أن خسارة والديه في الزلزال تفوق كل الخسارات، متمنياً لو أنه لم ينجُ من كارثة الزلزال تحت أنقاض منزلهم ليعيش كوارث ما بعد الزلزال.
إيجارات مرتفعة
في المقابل، يعيش حوالي 300 ألف سوري في 226 مركز إيواء ضمن المحافظات المنكوبة، وهؤلاء خسروا كل شيء حتى بعضاً من ذويهم، ومن يفكر منهم بالخروج من مركز الإيواء سيصطدم بارتفاع إيجارات العقارت سواء في حلب أو اللاذقية.
تقول ندى، 46 عاماً وهي نازحة من إدلب وأم لأربعة أطفال تسكن في حي الرمل الجنوبي في منزل مستأجر "تركت منزلي بسبب التصدعات وأسكن اليوم بالجامع"، ولا تستطيع العودة لمنزلها نتيجة الكشف الفني الذي شمع المنزل بعبارة غير صالح للسكن.
وتضيف السيدة الأربعينية، وهي تعمل مستخدمة في إحدى مدارس اللاذقية بدخل شهري لا يتجاوز 100 ألف ليرة، أن أسعار إيجار العقارات ارتفعت بنسبة كبيرة خارج قدرتها المادية، إذ كانت تدفع 150 ألف ليرة إيجار منزلها المستأجر، واليوم تحتاج إلى أكثر من 450 ألف ليرة شهرياً لتستأجر نفس المنزل، عدا عن أنها لا تستطيع الاستفادة من أية قروض حكومية أو غيرها للترميم أو إعادة الإعمار كونها ليست مالكة.
وبلغ عدد المباني المتضررة بالكامل في اللاذقية 336 مبنى يجب إخلاؤها وهدمها، و1697 مبنى متضرر بنسبة 60% يحتاج تدعيم، و 5819 بناء متضرر بنسبة 20 % يحتاج صيانة بسيطة، بينما في حلب بلغ عدد المباني التي فحصت 6430 مبنى، منها 198 مبنى متضررة بشكل كامل، و 1093 بحاجة تدعيم، وفقاً لتصريحات حسين مخلوف أمام مجلس الشعب حول إجراءات مساعدة المتضررين من الزلزال بتاريخ 16 شباط/فبراير الجاري.
وكانت محافظتي اللاذقية وحلب طلبت من أصحاب المنازل المتضررة تقديم وثيقة تتضمن رقم العقار واسم المالك بقصد تنظيم حصول المتضرر على المساعدات أو معرفة إن كان منزله مهدم ويحتاج ترميم.
مدينة اللاذقية - محاولات لانقاذ ضحايا الزلزال
مدينة اللاذقية - محاولات لانقاذ ضحايا الزلزال
لا خطة للسكن
تنص المادة 24 من الدستور السوري (2012) على أن "تكفل الدولة بالتضامن مع المجتمع الأعباء الناجمة عن الكوارث الطبيعية"، لكن حتى اليوم لم تعلن الحكومة عن أية خطة لإعادة بناء أو ترميم من تضررت منازلهم، سوى إنشائها في اليوم الرابع للزلزال صندوق وطني لإعادة تأهيل المناطق المنكوبة دون أية معلومات عن آلية تمويله وتعويض المتضررين ولأية جهة يتبع.
ويعتقد المدير التنفيذي لمنصة اقتصادي يونس الكريم أن الصندوق الذي أُنشأ بجلسة استثنائية للحكومة نتيجة حدث طارىء لن يخضع لمراجعة الوزارات المعنية ومساهمتها في وضع آليات تنفيذه، إنما سينفذ مباشرة، وهو قرار من أعلى سلطة إدارية.
ويقول الكريم في حديثه لـ"روزنة"، "إن قرار إنشاء الصندوق سياسي قبل أن يكون اقتصادي يشمل عدة وزارات لتنفيذه وليس هيئة مستقلة كما الحال بكل اللجان الاستثنائية بحكومة النظام.
قنوات تمويلية
يرى الكريم، أن تمويل الصندوق سيكون من خمسة مصادر باعتباره جزء من إعادة الإعمار، الأول حكومي كضرائب إعادة الإعمار أو فرض ضريبة جديدة للتضامن مع ضحايا الزلزال قد تكون من المغتربين يستوفى ثمنها بالقطع الأجنبي.
والثاني، من المناقلات، أي نقل أموال من بنود داخل موازنات الوزارات المستهدفة بالقرار، أو الاستدانة من ميزانية العام المقبل، رغم أن الموازنة الحالية هي أقل بـ ٨٠% من العام الماضي إذا ما قيَّمت بسعر الدولار الحالي، وفي حال اتباع النظام هذا الأسلوب بالتمويل وفقاً للكريم، يعني عدم قدرته على التنفيذ خلال الفترة الحالية أو المتوسطة.
والثالث، مساعدات من الدول الحليفة أو صناديق الإعانات الدولية المختصة بالزلزال، ويعتبر الكريم هذا الأسلوب آلية للتغلب على ضعف التمويل ومحاولة جذب مستثمرين عبر الصندوق.
أما الرابع، من أموال الأمم المتحدة وأموال النظام لديها كحقوق السحب الخاصة التي استخدمها سابقاً، والخامس من خلال منح إعطاء التمويل لمؤسسات الدول الحليفة للنظام مقابل امتيازات لهم.
الحكومة.. حلول ترقيعية
القرار الحكومي تجاه المتضررين من الزلزال، جاء على لسان وزير الإسكان سهيل عبد اللطيف، وذلك من خلال تجهيز 300 وحدة سكنية مسبقة الصنع لتوزيعها للعائلات التي فقدت منازلها بسبب الزلزال الذي ضرب البلاد على أن تكون جاهزة للتسليم خلال شهر وفقاَ للأولوية، مع تحديد أماكن معينة لوضعها.
ولكن خطة وزارة الإسكان في تأمين 300 وحدة سكنية متنقلة خلال شهر، تقد تشير إلى عزوف الحكومة عن تحمل مسؤولياتها تجاه المنكوبين ولجوئها إلى حلول ترقيعية طويلة المدى.
ويرى أنس جودة رئيس تيار حركة البناء أنه في حال كان التوجه لإنقاذ محلي لكل مدينة بدلاً من الإنقاذ الجماعي فأن القسم الأغلب ممن تهدمت بيوتهم سيكون مصيرهم كمن فقد منزله نتيجة الحرب، مشيراً في منشور على صفحته في موقع فيسبوك، إلى أن الحل السياسي في سوريا يجب أن يكون مدخلاً لتأمين موارد كافية وفتح المسارات لعودة استثمارات السوريين.
وبطبيعة الحال، دون حل سياسي مقنع لكل الأطراف الدولية، لن يكون هناك إعادة إعمار، بحسب الكريم الذي يؤكد، أن النظام يحاول استغلال الزلزال سياسياً للتهرب من قانون سيزر وتنفيذ تعاقدات ملزمة للأطراف الدولية لفترة طويلة عبر صندوق الإغاثة المتعلق عمله بأهم ثلاث وزارات (الصحة، الأشغال، الإدارة المحلية) لها علاقة مع المواطنين والمجتمع المحلي والمدني.
العمل المجتمعي غير كافٍ
في سياق مساعدة المنكوبين بتأمين السكن، قامت بعض المنظمات المجتمعية في اللاذقية وحلب باستئجار ما يقارب الـ 20 منزلاً في اللاذقية وحوالي الـ 45 منزل في حلب بعقود إيجار مدفوعة لمدة عام لعوائل متضررة، كما أفاد محمد حسن، وهو ناشط مدني يعمل في جمعية أهلية بحلب لـ "روزنة".
ويضيف حسن، أن أعداد العوائل في مراكز الإيواء كبيرة وتحتاج إلى جهود حكومية ودولية لنقلها إلى منازل مؤقتة ريثما يتم إعمار منازلهم المدمرة، مشيراً في حديثه لـ "روزنة"، إلى أن العمل المجتمعي وإن ساهم في إنقاذ بعض العائلات إلا أنه يبقى عاجزاً أمام حجم الكارثة.
وفي السياق، يؤكد الكريم، أن عملية إعادة الإعمار لا تكون بشركات محلية نتيجة حجم الضرر، إنما تحتاج للشركات الدولية التي لا تستطيع العمل خلال فترة 6 أشهر (فترة الرفع الجزئي للعقوبات)مضيفاً أن المنح والمساعدات التي قدمتها الدول الخليجية والحلفاء للنظام لا تبدو مشجعة للصندوق ليكون له نشاط خلال الفترة الحالية أكثر من عملية دعوة دول العالم للتنسيق معه.
وبين بطء الحكومة في تنفيذ التزاماتها تجاه المنكوبين وارتفاع أسعار إيجار العقارات دون مبررات منطقية، يبقى مركز الإيواء الخيار الأوحد لمن فقد منزله سواء جراء تهدمه أو إخلائه منه.
