خبير أممي: تسعيرة القمح في سوريا كارثية على الأمن الغذائي والفلاح
حبيب شحادة
في الثامن عشر من شهر نيسان/أبريل الفائت، سعَّرت حكومة النظام السوري شراء محصول القمح من المزارعين بــ 2300 ليرة سورية للكيلوغرام الواحد، وزعمت الحكومة أنَّ تحديد هذا السعر جاء "نتيجة حساب دقيق لتكلفة الإنتاج الحقيقية في ظل الدعم المقدم للقطاع الزراعي من بذار ومحروقات وأسمدة".
حسابات حكومة دمشق للتكاليف الحقيقية تعتبر غير دقيقة وغير صحيحة ومزورة لأنها لا تاخذ بعين الاعتبار عدم حصول الفلاح على الكميات اللازمة من الأسمدة والمازوت بالسعر المدعوم، حسب ما أفاد الخبير الأممي و وزير الزراعة السابق نور الدين المنى لروزنة.
ورغم إعلان الحكومة أن هذا السعر، يضمن هامش ربح للمزارع بنسبة 35 % لكل كيلوغرام، ويشجعه على تسليم المحصول واستجرار أكبر كمية ممكنة منه، لكن سرعان ما عبر مزارعون عن استيائهم من السعر الذي لا يغطي تكاليف زراعة القمح ومن ثم حصاده، على حد تعبير المزارع حسان رحال، معبراً في حديثه لـ روزنة" عن صدمته بتسعير حكومة النظام "الظالم" لمحصول القمح.
وعليه، سيتعرض أغلب المزارعين للخسارة جراء هذا السعر الذي لا يغطي تكاليف حصولهم على مستلزمات زراعة القمح من سماد وبذار ومازوت بالسعر غير المدعوم لانعدام توفر المدعوم منه، كما قال رحال. مشيراً إلى أنّّ السماد والمحروقات لم توزع بشكل عادل وكافٍ بسعر مدعوم.
تسعيرة القمح.. كارثية على الأمن الغذائي
استنكر الخبير الأممي ووزير الزراعة الأسبق نور الدين منى في حديثه لــ "روزنة" تسعيرة حكومة النظام السوري لمحصول القمح بـ 2200 ليرة، واصفاً أثارها بــ "الكارثية على الأمن الغذائي والعلاقة مع المزارع ومجحفة بحقه وبعمله اليومي ولا توازي التكاليف التي تحملها خلال موسم 2023 خاصة أن تكاليف إنتاج الكيلو الواحد من القمح المروي في المحافظات تبلغ 3000 ليرة".
وشدد منى على أنه "يجب ألا يقل سعر كيلو القمح عن 3500 إلى 4000 ليرة لتأمين الأمن الغذائي خاصة أن مستلزمات الإنتاج من وقود وأسمده ومبيدات وغيرها كانت غير مدعومة"، مضيفاً "إذا كان ربح المزارع صفر فأضعف الإيمان أن تعوض التسعيرة مصراته".
في المقابل، يسعى المتنفذين من أصحاب المصالح مع حكومة النظام للاعتماد على الاستيراد الذي سيشكل استنزافاً للعملة الصعبة وتحكماً من قبل الدول الموردة برغيف الخبز، وبالتالي بالقرار السياسي لأن من يملك الرغيف يملك القرار، وفقاً لمنى، الذي قال "لو أعطت روسيا وغيرها من الدول قمح مجاني لحكومة النظام يجب عدم إهمال زراعة القمح أو التوقف عنها وعن دعم المزارع السوري.
ويتوقع منى أن يتم تهريب محصول مناطق سيطرة النظام عبر منافذ التهريب في حال حصل ما سماه "عناد حكومي"، أي تعنت حكومة دمشق على سعر 2200 ليرة وعدم تعديله ورفعه على الأقل 1500 ليرة، وسط توقعه بأن يكون المحصول وفيراً لهذا العام في حال عدم حصول حرائق، وهذا ما يستدعي حمايته، وفقاً لقوله.
وكانت وزارة الزراعة السورية، أعلنت بتاريخ 20 شباط/فبراير الفائت "زراعة 1249584 هكتار بالقمح منها 546873 هكتار في مناطق النظام من المتوقع أن يصل إنتاجها مليون طن، أي أقل بكثير من حاجة مناطق النظام، التي تشير الأرقام المتداولة إلى أنها تحتاج 2 مليون طن من القمح سنوياً لتأمين احتياجاتها من الخبز تغطي قسم منه من الإنتاج المحلي، والآخر عبر الاستيراد من روسيا، وسط معاناة 12.4 مليون سوري، من انعدام الأمن الغذائي، حسب برنامج الأغذية العالمي.
وكانت وكالة رويترز ذكرت بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر من العام الفائت 2022، أن سوريا اعتمدت بشكل كبير على استيراد القمح من شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا من أوكرانيا، باستخدام أسطول من سفن البلدين لتجنب العقوبات الأميركية.
وبحسب البيانات استوردت سوريا نحو 501800 طن من القمح من سيفاستوبول حتى نهاية نوفمبر العام الفائت 2022، ونحو 28200 طن في العام 2021 بأكمله.
وتعاني مناطق سيطرة النظام من عجز بمادة القمح بعد تراجع الإنتاج من 4 ملايين طن قبل الحرب في العام 2011 إلى نحو 900 ألف طن في الموسم السابق 2022، بحسب تصريحات صحفية سابقة لرئيس اتحاد الفلاحين بحكومة النظام أحمد صالح الإبراهيم ما انعكس سلباً على قدرة حكومة النظام على توفير الأمن الغذائي والحفاظ على قدرتها على تأمين رغيف الخبز.
تسعيرة النظام.. تشجع على تهريب القمح
يؤكد منى أن المزارع يدفع تكاليف أكثر مما يسجل في دوائر الزراعة الرسمية، عدا عن كلفة أتعابه اليومية وأسرته بالعمل الزراعي غير المحسوبة، مضيفاً في حديثه لـ "روزنة" أن هذا السعر لن يشجع المزارع على تسليم قمحه لمؤسسة الحبوب التابعة للنظام.
كذلك، هذا السعر، وفقاً لمنى، يعطي المناطق خارج سيطرة النظام ميزة تسويقية وإنتاجية إضافية، ويفتح الباب واسعاً أمام تهريبه إليها، كما أن "المزارع لن يصرح بالكميات الحقيقية لإنتاجه، إذ لا يوجد قانون يُجبر المزارع على أن يبيع بسعر أقل من سعر التكلفة"، قال منى.
من جهته، يؤكد رئيس مكتب التسويق في اتحاد الفلاحين صالح حاج حمد في تصريحات صحفية أن التقديرات الدقيقة لتكلفة زراعة الدونم الواحد من محصول القمح تتراوح بين 600 – 700 ألف ليرة، وفي حال كان إنتاج الدونم تقديراً 350 كغ فإن بقاء التسعيرة على حالها هي إجحاف بحق المزارعين.
المزارع خاسر وسط ارتفاع تكاليف الزراعة
خلال العام الجاري زَرع رحال حوالي الــ 30 دونم قمح، بتكلفة تتجاوز المليون ليرة للدونم الواحد متضمنة كل مستلزمات زراعة القمح والعناية بالمحصول، "اشترينا مازوت وسماد وأدوية ومبيدات بسعر السوق السوداء، والحكومة تحسب تكاليفنا بسعرها المدعوم"، قال رحال.
ويوضح المزارع رحال أن حكومة النظام خصصت لكل دونم 22 كيلو سماد مدعوم لكنها وزعت 8 كيلو للمزارع، بينما المازوت اشتراه بـ 8000 ليرة لكل لتر، "سقاية المحصول تحتاج كل ساعة 2 لتر، وساعة الجرار للفلاحة 75 ألف ليرة والحجم الكبير 100 ألف ليرة، والدعم كان صفر، إذ وزعت الحكومة لكل دونم 3 لتر مازوت مدعوم"، وفقاً لقوله.
ورغم أن موسم القمح جيد لهذا العام وكذلك إنتاجيته، لكن هذا السعر يُخسَّر المزارع رحال، الذي يتخوف من فقدانه القدرة على بيع محصوله لتجار القطاع الخاص جراء فرض حكومة النظام للموافقة الأمنية على الحصاد كما حدث العام الفائت 2022، إذ مُنع المزارع من حصاد ونقل القمح بدونها.
عدا عن ذلك، فأنَّ مشكلة الفساد في مستلزمات زراعة القمح في كل مراحله بدءً من البذار و المحروقات والأسمدة وغيرها تعيق إنتاج القمح والأمن الغذائي، إذ أنه حتى بعد التسويق ينخدع المزارع بالفساد الذي يأكل من أرباحه، وفقاً لمنى، الذي قال "الزراعة ليست أولاً ولا عاشراً".
ووسط المطالبات برفع سعر القمح، ختم منى قوله على الحكومة أن "تعيد في أيار/مايو القادم خلال مؤتمر القمح النظر في تسعيرة القمح وتضيف 1500 ليرة أخرى للسعر، لأن محصول القمح يجب أن يبقى له أسس توجيهية تدعم إنتاج المزارع الذي يندرج في إطار تأمين الأمن الغذائي والسياسي للبلاد".