زلزال سوريا... نحن لسنا بخير ولكننا معاً
"ماضل عنا ببيوتنا، أي شي زيادة لا بطانية ولا حرام ولا علبة طون حتى نحنا قدام كارثة، حقيقية يا منوقع كلنا سوا يا منطلع كلا سوا" هذا ما قالته ساره، وهي إحدى المتطوعات في المجموعات الأهلية منذ سنوات.
ويشكل دور المبادرات الأهلية طوق النجاة للمنكوبين في سوريا، بسبب عجز الأجهزة الإدارية في تأمين احتياجات الناجين والمتضررين، فالتمرس والجاهزية للكوارث في زمن الحرب ساعدت في سرعة التجاوب مع أحداث الهزة الأرضية التي ضربت سوريا.
دمشق تحتضن المساعدات
حين التقينا سارة، كان التعب واضحاً فهي في حالة استنفار منذ لحظة الزلزال، فسكان دمشق أيضاً استيقظوا تلك الليلة مرعوبين خائفين.
وتخبرنا: " نعاني من الكثير من الصعوبات بسبب نقص المحروقات ما يصعب علينا الحركة والتنقل، إضافة إلى ارتفاع الأسعار واستغلال التجار فقد وصل سعر البطانية بدمشق (الحريقة) إلى مئة ألف وأكثر".
واليوم في سوريا تجاوز الدولار سعر صرفه في السوق الـ 6 آلاف ليرة سورية.
" يبقى لدى البعض نخوة في ظل كل هذا الجشع، فبعض التجار يرفضون أخذ الأموال عند علمهم أن هذه المواد ذاهبة للمناطق المنكوبة من الزلزال".
في جنوب البلاد، وفي السويداء تحديداً، قابلنا وجيهة (33 عام)، وهي صاحبة مبادرة تطوعية في المدينة.
تقول: "لا يوجد بيت في السويداء لم يتبرع بمبلغ مالي، وحتى لو كان ألف ليرة، حتى الأطفال قدموا ما احتفظوا به من أموال في حصالاتهم الصغيرة".
وتبين أنه هناك سيارتين تقريبا تصل إلى المناطق التي تعرضت للزلزال في اللاذقية و جبلة وحلب.
امرأة خمسينية دفعت 10 آلاف بخجل وهي تقول "والله مامعي غيرن".
تنسيق إلكتروني لدعم المنكوبين
مبادرات و نداءات على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي نظمها بعض الأفراد، ولتكون رافداً اجتماعياً مهماً لعمليات الإغاثة في مختلف المناطق، لكنها بذات الوقت تحمل مخاطر بعض ضعفاء النفوس الذين وجدوا فيها فرصة لنهب مساعدات المنكوبين.
قررت رانيا مع مجموعة من أصدقائها الذين عرفتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، التجمع وإطلاق مبادرة خاصة بهم بعيداً عن المجموعات التي تدعي الشهرة والأشخاص الذين يدعون أنهم مؤثرين على السوشيال ميديا على حد قولها.
تخبرنا رانيا (اسم مستعار) آلية عمل فريقهم التطوعي:" مع كل رسالة لشخص محتاج تصلنا، نتواصل معها بشكل فردي، نتأكد من هويتها الحقيقية، وبعدها نبدأ بالبحث عن الجهة التي يمكن أن تساعدها سواء كانت أشخاص أو مجموعات".
وتضيف استطعنا لحد هذه اللحظة مساعدات لأكثر من مئة عائلة، ولكن العمل يحتاج لجهد وتنسيق أكبر.
خلال جولتنا على المبادرات التي تعمل عبر صفحات التواصل الاجتماعي، تحدثنا مع جعفر، وهو صحفي مقيم في دمشق.
ومع انتشار الأنباء عن بيع المساعدات التي تصل للناس أو الجهات المسؤولة، قرر جعفر القيام بمهمة متابعة هذه الصفحات، لكشف السارقين بعد التأكد من المعلومة.
يقول: "هناك الكثير من الكلام الكاذب بخصوص هذا الأمر، كل رقم هاتفي للابلاغ عن حالات الفساد لهؤلاء الذين يدّعون أنهم مؤثرين، ويمتلكون المعلومات كانت لا تستجيب للاتصالات، وتظهر أنها خارج خدمة الشبكة يريدون فقط من صفحاتهم أن تشتهر".
بعد محاولات عديدة، استطاع الوصول إلى شخص يقيم في مدينة جرمانا يبيع شوادر وبعض المواد الغذائية، ولكنه هرب فور علمه أن جعفر وأصدقائه من الصحفيين.
من أحد مراكز الايواء في حماة
من أحد مراكز الايواء في حماة
المناطق المنكوبة
غالباً لحظات الاستجابة الأولى لا تخلو من الفوضى وسوء التنسيق، فالجميع يبادر، ويمكن أن ينال ذات المركز هبات متعددة من ذات النوع بينما يمكن أن تحرم مراكز أخرى.
تروي مجد قصتها بغصة عن دموع رجل بعمر الخمسين بمنطقة الرمل الشمالي في اللاذقية، كانوا يعطونه (معطف من الجوخ): "نحنا وعم نعطي الجاكيت ركد ولد وسرقوا من أيدوا والرجال صار يبكي، ليتطوع كل من استفاد بعد ذلك بمعطفه للرجل الخمسيني".
"نحنا وعم نعطي الجاكيت ركد ولد وسرقوا من أيدوا والرجال صار يبكي"
وتؤكد في كلامها سوء التنسيق الموجود على الأرض في توزيع المعونات، ويمكن أن تأخذ بعض المناطق حاجتها وأكثر، ولكن في ذات الوقت، من الممكن أن ينام بعض المناطق على أمعاء خاوية بسبب عدم وصول المساعدات إليهم".
ليكمل كميل (50 عام) حديث مجد، ولكن هذه المرة من مدينة جبلة، يقول، أخي الناس ما بتثق إلا بالشباب يلي عم تشتغل الجمعيات بتتصور، وبتجمع داتا وبتمشي وأنا مسؤول عن كلامي، وبالنسبة للوضع بجبلة يتحدث عن ظاهرة ميل بعض الأبنية بعد أيام من مرور الزلزال.
تهدم الأبنية في مدينة حماة
تهدم الأبنية في مدينة حماة
حماة تساند حلب واللاذقية
لكل مدينة في سورية خصوصيتها المحلية، وتحتاج الاستجابة وتقديم المساعدات مراعاة هذه الخصوصية ولكنها ليست متاحة في معظم الأحيان.
فتقول ريا (اسم مستعار)، في مركز الإيواء فصلنا الرجال عن النساء، لخصوصية المجتمع و السكان.
وتكمل:"الوضع في حماة أفضل من باقي المناطق، فعدد المتضررين ليس بالكبير والمدينة قادرة على احتواء الأزمة، وحتى أننا نعمل على إرسال المساعدات إلى كل من اللاذقية وحلب".
تخشى ريّا من عدم احتواء الأزمة بشكل سريع: "إذا طالت الحالة لا ندري ما الذي سوف يحصل مع الأيام، لأننا في بداية النكبة والكل يتبرع متمنية أن يظل وضع حماه بهذا الاستقرار".
حلب والخسارات الكبرى
يتحدث بشار (25 عام)، وهو أحد المتطوعين والمتضررين من الزلزال، هناك مساعدات كبيرة تصل لحلب: "ولكن الاحتياجات ماتزال مرتفعة، بعض الحالات لا نستطيع تغطيتها شعور العجز يصيبنا (حرفيا) ببعض الأوقات بس مجبرين نكون أقوياء".
يكمل: "كل بيت في حلب يستقبل عائلتين أو أكثر هنا، وأصبح العبء على العائلات كبير جداً، فهم منكوبون اقتصادياً، إضافةً إلى سوء معاملة بعض شيوخ الجوامع والمتطوعين التي تظهر ببعض الأماكن ولكن تختفي فور هجوم الناس عليهم".
وفي نفس السياق، تتحدث لما ناشطة بالمجتمع المدني عن أهمية جندرة المعونات حتى تتضمن متطلبات النساء من فوط نسائية وملابس داخلية.
وتؤكد أن تلبية مستلزمات النساء لا يعتبر رفاهية، ويجب تضمينها ضمن كل السلل الغذائية ومع كل المتطوعين، بعض النساء تخجل طلب هذه المادة فياريت تكونوا صوتنا وتتوفر المادة عنا.
وتختم، مراكز الإيواء غير صالحة للسكن ولا للبقاء فيها لوقت طول يجب أن تنقل الناس لأماكن تحفظ كرامتها، وخاصة النساء لأن مراكز الايواء مساحة غير آمنة لهم، ومع الضغط الكبير ممكن أن تتعرض مراكز الإيواء للتخريب، وبالنسبة للعودة للبيوت بمدينة حلب فهذا امر شبه مستحيل.
المتضررون لجأووا للمقابر
"نحن لسنا بخير ولكننا معاً" بصوت ممزوج بالمرارة والبكاء يخبرنا مهند (اسم مستعار) 55 عاماً، عن مشاهداته في مدينة حلب.
الوضع في حلب جنوني، حيث الفقر والتشرد، الكل يشعر بالغضب والخذلان".
يعمل مهند، في جمعية المقاصد الخيرية الشركسية - فرع حمص، حيث جمعت تبرعات عينية ومالية للمتضررين من الزلزال.
ويكمل مهند، وهو المتطوع في العمل الإغاثي من مدينة حمص، ركض إلي طفل صغير ليقول: عمو معلش اتبرّع بخرجيتي، وسلّمني الصغير مبلغ 5 آلاف ليرة سورية، كانت الأثمن بنظري"، مراكز إيواء المتضررين من الزلزال ملأت مدينة حلب، الخيم في كل مكان في الشوارع والحدائق العامة وحتى المقابر.
يتحدث مهند لــروزنة عن سرعة استجابة المساهمين بالتبرع، حيث جمعوا ما يقارب 13 طن من المواد الإغاثية، شملت سللاً غذائية وأغطية وفرش وملابس شتوية وأدوية وفوط صحية للنساء والأطفال
يقول مهند :"البعض تبرع بالمال والبعض بالعينيات، كل سكان القرى الشركسية في حمص تبرعوا دون استثناء، وصلتنا مبالغ بسيطة من أسر فقيرة جداً أصرّت على المساهمة وشارك عدد لا بأس به من سكان المدينة".
وتعاني الكثير من الابنية من خطر الانهيارات، فهي متصدعة منذ سنوات، فالمدينة عاشت أقسى العمليات العسكرية.
ولاتزال لجان السلامة تخلي الأبنية وتعمل على هدمها نتيجة التصدعات القاسية.
معظم التبرعات وُزعت على سكان أحياء الأشرفية والهلوك في مدينة حلب،سلّمنا المستفيدين سللهم الإغاثية مباشرة باليد.
في سوريا المنكوبة اليوم بفعل الزلزال، يتوحد السوريون في وجعهم بمختلف المناطق السورية.
