ممر العذاب اليومي في الحسكة.. عن "بهدلة" العبور تحت الجسر "بلا أي سبب"!

تحرير: عبدالله الخلف - إعداد: نور الأحمد

أقدام صغيرة تغوص في الوحل، وقفزات هنا وهناك، هرباً من حفرة وحجارة منتشرة في المكان، هو المشهد الذي يواجهه أطفال وكبار في مدينة الحسكة، لمرورهم من منطقة سيطرة إلى أخرى، عبر جسر، لكن من تحته لا من فوقه.

رؤى وأبو عبد وعليا ومحمود، يروون لروزنة تجاربهم في التنقل من مناطق تسيطر عليها "الإدارة الذاتية" إلى أخرى في "المربع الأمني" تحت سيطرة النظام السوري، سالكين بشكل يومي طريقاً ترابياً تحت جسر (الكذا) بعد إغلاقه منذ سنتين.

ممر العذاب اليومي.. غوص وجروح!

نظراً لاعتماد الشهادات الصادرة من المدارس الواقعة في منطقة "المربع الأمني"، يفضل نسبة من أهالي الحسكة، تسجيل أبنائهم وبناتهم فيها، لكن تبقى مشكلة الوصول إلى المدرسة عائقاً أمام العائلات، لاضطرار أطفالهم المرور يومياً من تحت الجسر.

تصف رؤى (17 سنة)، معاناتها وزميلاتها، قائلة: "أنا طالبة ثانوية عامة، كل يوم أذهب إلى مدرستي في منطقة المربع الأمني، لكن الطريق بالنسبة لي عذاب يومي! في الصيف تملأ ثيابنا الأتربة والغبار، والأمر أصعب خلال الشتاء،عندها نضطر حرفيأً للغوص!".

وتضيف في حديثها لروزنة، أنها تتجنب أحياناً خوض هذه المغامرة الاضطرارية: "لأن الطريق يصبح موحلاً في الشتاء، لا أذهب أحياناً إلى مدرستي عندما يكون الجو ماطراً، من الأفضل لي أن أبقى في المنزل".

رصدنا، قطع بعض الطلبة لمسافة تصل إلى 2 أو 3 كيلو متر مشياً على الأقدام، للوصول إلى المدارس في "المربع الأمني".

ويتخوف "أبو عبد" (54 عاماً) على أولاده، بسبب طريق العبور أسفل الجسر، ويشرح لروزنة: "يذهبون يومياً إلى المدرسة في المربع الأمني، في كثير من الأحيان يعودون للبيت مصابين، نتيجة وقوعهم أثناء نزولهم لتحت الجسر".

الطريق الترابي، وصعوبة النزول والصعود منه، يسبب مشكلة أخرى للطلبة، يشرح "أبو عبد": "دائماً الثياب متسخة، إما بالطين أو الغبار".

مشكلة رؤى وبقية الطلبة، لن تنتهي بمجرد نجاحهم بعبور أسفل الجسر، إذ تنتظرهم مدارس مكتظة بالتلاميذ، يصل عددهم في بعض صفوفها إلى 70 طالب وطالبة.

وفي سنة 2020، قالت مديرية التربية في الحسكة (التابعة للنظام) إن "الإدارة الذاتية" فرضت سيطرتها على 2285 مدرسة في المحافظة، لتبقى 179 مدرسة فقط لجميع المراحل التعليمية، تتبع لـ"تربية الحسكة"، ما حرم نحو 100 ألف طالب وطالبة من نيل شهاداتها، وفق تصريح لوكالة "سانا".

سبق أن نشرنا في روزنة، تحقيقاً قبل نحو أربعة أعوام، حول المعاناة التي يواجهها قطاع التعليم في المحافظة، بعنوان: "أطفال الحسكة ضحية صراع الهويات في شرق سوريا".

"بهدلة يومية.. بلا أي سبب!"

لا يقتصر العبور إلى منطقة "المربع الأمني" على الطلبة، إذ يتنقل الكثير من العمال والموظفين من منازلهم في مناطق سيطرة "قسد" إلى أماكن عملهم على "الضفة الأخرى"، وأيضاً، يضطرون مجبرين على خوض رحلة "ممر العذاب القسري".

تقيم عليا (30 عاماً) في حي غويران، وتعمل في محل للألبسة في منطقة "المربع الأمني، حيث تصف في حديثها معنا حال الأهالي الذي يضطرون بالعبور من تحت الجسر بـ"البهدلة".

وتوضح بحسرة ونبرة غضب: "هناك أطفال وكبار سن ونساء جميعهم يعانون في النزول لتحت الجسر والصعود منه، إذا كان الجو ماطراً يصبح تحت الجسر بحيرة، ونخوض في المياه، الوضع صعب ولا يطاق".

وتتساءل عليا عن الفائدة من إغلاق الجسر، قائلة: "إذا كانوا خائفين من مشاكل أمنية فما هو الفرق إذا عبرت الناس من فوق الجسر أو تحته؟ من يريد افتعال المشاكل لن يصعب عليه ذلك إذا عبر من تحت الجسر!".

وتنقسم السيطرة على مدينة الحسكة بين النظام السوري و"قسد"، حيث تسيطر الأخيرة على غالبية الأحياء والمناطق فيها، فيما يقتصر تواجد النظام على عدة أحياة في مركز المدينة تعرف محلياً باسم "المربع الأمني"، لتواجد عدد من المقار للأجهزة الأمنية.

ويربط بين المنطقتين حاجزان، الأول مفتوح للمشاة، والثاني من تحت الجسر، الذي يضطر أهالي الأحياء الجنوبية للعبور من خلاله، كونه أقرب بالنسبة إليهم من الأول.

ونتيجة للتوترات التي تحدث بين الحين والآخر بين النظام و"قسد"، أغلق الجسر أمام حركة السيارات والمشاة من قبل النظام، منذ نحو عامين، وأصبح العبور للمدنيين من تحت الجسر فقط.

وحيداً أمام الجسر.. ينتظر المساعدة

وسط معاناة الكثير من الموظفين والطلبة وأصحاب وعمال المحال التجارية في منطقة "المربع الأمني" الذين يضطرون للعبور من أسفل الجسر يومياً، تبرز معاناة مضاعفة لذوي الإعاقة، الذي يضطرون للنزول والصعود في طريق ترابي، مهما كانت حالة الطقس.

محمود (اسم مستعار/ 38 عاماً)، موظف في دائرة حكومية داخل المربع الأمني، يقول لروزنة أن معاناته أكبر بكثير من بقية المارين تحت الجسر، لأنه يتنقل على قدم واحدة بعد بتر الثانية قبل نحو ثمان سنوات، بحادث مروري.

يحدثنا: "لا أستطيع النزول أو الصعود لوحدي، أحياناً يذهب معي أحد إخوتي لمساعدتي، ولكنه لا يتواجد دائماً، وأضطر لطلب المساعدة من المارة، وأبحث دوماً عن أحد يعينني على المرور".

ويضيف: "أنتظر أحياناً لساعة أو أكثر حتى يأتي شخص ويساعدني أو أتصل بأحد إخوتي، إذا لم يمر رجل قادر على مساعدتي للعبور".

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في المواد 18 و19 و20، على حرية التنقل وإمكانية حصولهم على المساعدة الضرورية لتيسير عيشهم وإدماجهم في المجتمع، وتيسير حرية تنقلهم بالطريقة وفي الوقت اللذين يختارونهما.

لا يبدو أن طرفاً يأخذ بعين الاعتبار ما تنص عليه القوانين الدولية والمتعلقة بحقوق الإنسان، ويرتبط برحلة العبور اليومية من "جسر العذاب اليومي" في الحسكة، إذ تبقى فاتورة النزاع بين النظام و"قسد"، تدفع جهداً ومعاناة وجروحاً وانتظاراً، من رؤى ومحمود وأبو عبد وعليا، وربما، حسب ما قالت الأخيرة "بلا أي سبب!".