صحفيات في الشمال السوري: تحدّيات وحريات صحفية مسلوبة
إيمان حمراوي
"ممنوع تصوير أماكن التفجيرات، ممنوع تصوير القصف وآثاره، ممنوع الاقتراب من أماكن الجبهات والفصائل العسكرية"، هي قوانين غير مُعلنة بشكل رسمي، ولكنها تمييزية على أساس الجنس، تفرضها السلطات المحلية في الشمال السوري على الصحفيات، فيما الصحفيون لهم كامل الحرية في التغطية الإعلامية.
العديد من التضيقات تتعرض لها الصحفيات في الشمال السوري، سواء أكانت من قبل سلطات الأمر الواقع بكل أشكالها أو المجتمع، ما قد يضطرها للعمل إما بالخفاء أو بشكل أقل من المتاح لديهن، بسبب التقييدات الكثيرة مثل منع انتقاد فساد المؤسسات الحكومية، التي تكون نهايتها غالباً الاعتقال.
معظم الأسماء المذكورة في التقرير أسماء مستعارة، رفضت الصحفيات التصريح عن أسمائهن الحقيقية حفاظاً على سلامتهن وأمنهنّ، لئلا تتعرّضن للمساءلة من قبل السلطات المحلية لاحقاً.
انتقاد السلطات الحاكمة جريمة
في ريف حلب، خارج مناطق النظام السوري، يوجد عدد من السلطات الحاكمة: "الحكومة السورية المؤقتة" و"الائتلاف السوري المعارض"، والمجالس المحلية المدعومة من تركيا. تقول مروى، صحفية عاملة في المنطقة، "هذا المضحك المبكي".
"التضييقات التي تتعرض لها الصحفيات متنوعة، في الحقيقة إلى الآن لا يوجد جرأة كاملة للحديث عن الملفات العميقة مثل الفساد السياسي أو العسكري أو المؤسساتي، لأننا نعرف مدى الخطر الذي قد نجنيه على حياتنا" تقول مروى.
وتتابع: "لا شيء يمكن أن يضمن سلامتنا كصحفيات وصحفيين… حتى المجلس المحلي يمنعنا من التصوير داخل أي مؤسسة من مؤسساته والحديث عن الفساد داخلها".
تعرّضت مروى للمساءلة من قبل أحد المجالس المحلية في ريف حلب، بسبب انتقادها لبعض الخدمات السيئة التي يقدمها أحد مكاتبه في شمال غربي حلب.
تفادي تغطية الفساد؟!
تعاني لمياء أثناء عملها الصحفي في مناطق "حكومة الإنقاذ"، إذ تغض النظر عن متابعة مواضيع حسّاسة ومهمة مثل التهريب عبر المعابر، والمخدرات، والأخطاء الطبية في الشمال السوري.
تقول: "أحاول الحفاظ على أمني الشخصي وسلامتي من السلطات الحاكمة والأشخاص المتّهمين بالفساد، لا شيء يستحق حياتي".
تستذكر لمياء قصة صديقتها: "زميلة صحفية لي كانت تصور في الطريق، جاءت سيارة مسرعة، وقفت أمامها وخرج منها شخص، يبدو أنه من الجهاز الأمني، سألها ماذا تفعلين؟ وأمرها بمسح الصور مباشرة وإلا ستتعرّض للاعتقال، كان معها ابنها من خوفها عليه حذفت الصور".
وتتساءل لمياء، "طالما نملك بطاقة صحفية، لماذا علينا إحضار تصريح في كل مرة نغطي فيها فعالية أو نشاط ما؟".
وتمنح مديرية الشؤون الصحفية والإعلامية لدى "حكومة الإنقاذ" البطاقات الصحفية وتصاريح للتصوير الجوي أو الأرضي للصحفيين، بحسب ما صرّح في وقت سابق، مدير المديرية العامة للإعلام نجيب الخليل.
"لا تحبذ السلطات الحديث عن شيء يخصها، لذلك جرى اعتقال صحفيات وصحفيين لذلك السبب"، تقول هيام، صحفية عاملة في مناطق "حكومة الإنقاذ".
سمر (اسم مستعار)، صحفية عاملة في الشمال السوري منذ سنوات، واجهت في وقت سابق تضييقاً على حريتها الصحفية من قبل السلطات المحلية، وإلى الآن يوجد، لكنها أبت أن تتحدث عنها تفادياً لمشكلات قد تتعرّض لها.
تقول: "تعرّضت لتهديدات من أشخاص مجهولين في أوقات ما، استفزهم كتابتي عن موضوع معيّن، طالبوني بحذفه، لكني رفضت، ليهدّدوا بضربي وقتلي، لكن لم أستكن ولم أحذف".
اقرأ أيضاً: والدة نور الشلو توضح لـ "روزنة" سبب اعتقالها
"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" ذكرت في تقريرها شهر أيار العام الفائت، أنّه منذ أيار عام 2011 حتى أيار 2022، وثقت ما لا يقل عن 1250 حالة اعتقال وخطف بحق صحفيين وعاملين في مجال الإعلام على يد أطراف النزاع في سوريا، بينهم 8 صحفيين اعتقلتهم "هيئة تحرير الشام"، و12 آخرين على يد فصائل المعارضة المسلحة/ الجيش الوطني.
كما سجل التقرير خلال تلك الفترة الزمنية، مقتل 711 صحفي في سوريا، بينهم 8 على يد "هيئة تحرير الشام"، و25 بينهم 3 صحفيات على يد فصائل المعارضة/ الجيش الوطني.
صعوبة في منح التصاريح
تحتاج الصحفيات في الشمال السوري إلى موافقة وتصريح من السلطات في كل مرة تخرج فيها لتغطية أمر ما، وهو ما يشكل عائقاً أمام عملهنّ وحريتهنّ في حق الحصول على المعلومات بشكل مستمر.
في إحدى المرات خرجت مروى لتصوير مكان قرب مناطق الجبهات، لم تٌمنح حينها موافقة وتصريحاً، "الإعلاميون الشباب يستطيعون الخروج إلى أماكن الجبهات"، تقول متهكّمة: "نحن نساء أقل قدرات ما فينا نشوف سلاح"، وفي الآونة الأخيرة تم تخصيص ما يسمى "إعلاميو حرب".
وتعرّضت مروى في رمضان الفائت، خلال تصويرها لبرنامج مسابقات، لإيقافها عن عملها مرتين، حيث طلبت منها الشرطة التابعة لـ"الحكومة المؤقتة" تصريح مزاولة عمل، وحتى عندما أظهرت لهم بطاقتها الإعلامية والتصريح تقول: "تم إيقافي عن العمل والتواصل مع جهات حكومية للتأكد من اسمي".
تحصل مروى على التصريح في كل مرة تخرج بها لتغطية أمر ما من "المجلس المحلي ووزارة الإعلام" في آن معاً.
لمياء، صحفية عاملة في مناطق "حكومة الإنقاذ"، تعاني وزميلاتها من صعوبة استخراج تصاريح العمل، وبخاصة من المخيمات التابعة لوزارة التنمية لدى "الإنقاذ".
تقول لمياء، "تحاول حكومة الإنقاذ إظهار مرونتها في كافة القطاعات، إلا أننا نلمس هذه المحاولات بشكل خجول في القطاع الإعلامي تحديداً، إذ أصدرت الحكومة بطاقات صحفية منحتها للصحفيين لتسهيل العمل، لكنها لا تنفع في كثير من الأحيان".
وتتابع: "كمثال إذا كان العمل في مؤسسة تابعة لوزارة التربية، لا يعترف الموظفون إلا بتعليمات وزارتهم التي تكون أصدرت سابقاً أوامر بمنع منح التصريحات للإعلاميين دون العودة للوزارة، وهكذا تعترضنا عقبات كثيرة في الحصول على المعلومات الرسمية، ما قد يشكّل تهديداً لنا أحياناً، وبخاصة عند التقاط الصور".
ميثاق الشرف سهّل عمل الإعلاميات
يبدو أن هناك اختلافاً واضحاً في معاملة الصحفيات خلال الوقت الحالي عن السنوات السابقة، بحسب شهادات بعض الصحفيات والصحفيين.
تقول مروى العاملة في ريف حلب: "السلطات المحلية سابقاً لم تكن متعاونة، ولكن في الوقت الحالي هناك تعاون منهم بعدة أمور، وهناك بعض التسهيلات الجيدة وخاصة بعد تفعيل اتحاد الإعلاميين وإصدار البطاقات الإعلامية".
لا يوجد قوانين مفعّلة بشكل واضح تماماً، ولكن "ميثاق الشرف الإعلامي" الذي أطلق من قبل "اتحاد الإعلاميين السوريين" بالشراكة مع عدة جهات، ساهم بشكل كبير في حماية وتسهيل عمل الإعلاميين والإعلاميات، وفق مروى.
وأسّس ناشطون وإعلاميون "اتحاد الإعلاميين السوريين" في أواخر 2017 في مدينة الباب شرقي حلب، لتنظيم العمل الإعلامي، في وقت عانى فيه ريفي حلب الشمالي والشرقي من أزمة إعلامية وصفت بـ"الكبيرة" وسط فرض السلطات الحاكمة والفصائل قيودها.
الوصمة الاجتماعية
الوصمة الاجتماعية الرافضة لعمل السيدات في مهنة الصحافة، والنظرة السلبية كفيلة أحياناً بدفع الصحفية للتراجع عن عملها في تلك المهنة بالشمال السوري، أو العمل بالخفاء.
"الصحفيات يتعرّضن لضغط مجتمعي كبير وتهديدات وتنمر أثناء عملهن، حتى من قبل بعض الإعلاميين" تقول مروى، "وأحياناً اضطرت بعضهنّ للتوقف عن العمل".
"هناك إعلاميون يتنمرون على الإعلاميات، والحجة أنهم يرون أنفسهم أقدر من الإعلاميات في كل شيء، وأنهن دخيلات على المهنة وسارقات للمهنة"، وفق مروى.
"ليست تلك الحرية التي طالبنا بها" تقول مروى.
وتضيف مروى، "التمييز على أساس الجنس، أيضاً يظهر عندما نريد تغطية تفجير أو قصف ما، أو الذهاب إلى أماكن الجبهات، يتم منعنا بحجة أننا سيدات ولا طاقة لنا على تحمل مشاهد الدماء والدمار".
وتشير إلى أن عمل الصحفيات في المهنة أصبح أفضل مؤخراً، بسبب تعاون الاتحادات الإعلامية في الشمال السوري مع الصحفيات.
حالة من الترقب الدائم
أسماء (اسم مستعار) تعتبر مهنة الصحافة في الشمال السوري "هي مهنة المخاطر التي تجعلني في حالة دائمة من الترقب والحذر تحسّباً لأي تضييق أو اعتداء قد تواجهه".
في إحدى المرات تعرّضت أسماء لتضييق شديد أثناء تغطية مؤتمر صحفي، كانت الصحفية الوحيدة، وكل الموجودين هم صحفيون، تم منعها من دخول القاعة وإجراء المقابلات اللازمة.
كذلك ترى سمر (اسم مستعار) أن هناك: "تمييزاً في المعاملة بالعمل ما بين الشباب الصحفيين والصحفيات، حتى هناك تمييز في نوعية المواد المطلوبة بين الطرفين".
وأشارت سمر إلى أنّ "عدد الصحفيات في الشمال السوري قليل مقارنة بعدد الصحفيين، لكون المجتمع لا يرغب للمرأة أن تعمل بتلك المهنة، لذلك تأخذ الصحفيات حذرهنّ خلال العمل إن كن مراسلات أمام الكاميرا، ويكتفين بالعمل في الصحافة المكتوبة والتصوير، خوفاً من عائلاتهنّ أو أقاربهنّ، أو التنمّر من المجتمع".
هيام (اسم مستعار)، تؤكد أن أكثر ما تعاني منه الصحفيات في الشمال هو النظرة المجتمعية السلبية للصحفية "بالنسبة لي أحاول تفادي الانتقادات المجتمعية من خلال العمل ضمن إطار المكتوب، أحياناً تضطر الصحفيات للتحفظ على الاسم الحقيقي والعمل باسم وهمي، إما للحفاظ على نفسها من السلطات والمجتمع".
وتحدّث "المرصد السوري" في وقت سابق شهر أيار 2021 عن نفي "حكومة الإنقاذ" لصحفية من ريف إدلب الجنوبي إلى ريف حلب، بسبب حديثها المستمر عبر فيسبوك عن الفساد المستشري لدى الحكومة.
وتلقت الصحفية، وفق المرصد، تهديدات كثيرة من قبل موالين لـ"هيئة تحرير الشام" بالخطف والاعتقال، إلى أن أوقفتها أحد الحواجز على مدخل مدينة إدلب، وسلموها ورقة لحضور جلسة محكمة، هدّدوها بالعقاب في حال عدم حضورها، وحين حضرت عاقبوها بالنفي بتهمة التحريض على الهيئة.
ووثق "المركز السوري للحريات الصحفية" (SCJF) في تقريره السنوي لعام 2019، مقتل سبع إعلاميات و14 حالة اعتقال من مجموع الانتهاكات الحاصلة ضد العاملات في المجال الصحفي والإعلامي في سوريا منذ بدء الثورة عام 2011 حتى العام الماضي، والبالغ عددها 35 انتهاكاً، مشيرًا إلى أن النظام السوري يحتل المرتبة الأولى على قائمة الجهات المرتكبة للانتهاكات ضد المرأة الإعلامية.
كلية إعلام فقط للرجال
تكثر نسبة عدد الإعلاميات في مناطق سيطرة "الجيش الوطني"، مقارنة بعدد الإعلاميات في مناطق "حكومة الإنقاذ"، وفق "المركز السوري للحريات الصحفية".
عام 2016 افتُتح معهد الإعلام في جامعة إدلب بعد تأسيس الجامعة بعام واحد، وعمل على تخريج 3 دفعات من الطلبة بمعدل 300 طالب وطالبة، ليتم إغلاقه نهاية العام الدراسي 2018 - 2019 لأسباب غير واضحة.
قرار الإغلاق جاء دون توضيح من الجهة المعنية، وفي العام التالي للإغلاق، عاد لاستقبال الطلاب الذكور فقط، وأغلق أبوابه أمام الإناث أواخر عام 2018.
وذكرت الإدارة أن السبب "عدم توفر كوادر نسائية لتعليمهن"، ومن ثم اتخذ قرار الإغلاق النهائي للمعهد.
زهرة (اسم مستعار) صحفية متخرجة من المعهد قبل 6 سنوات، تقول: "كان هناك تمييز بين الطالبات والطلاب، الشباب في قاعات خاصة للإعلام، والطالبات تم دمجهنّ مع كلية الآداب في قاعة واحدة".
وفي مطلع العام الدراسي الحالي 2022 - 2023 افتتحت جامعة إدلب "كلية العلوم السياسية والإعلام" ولكن خصصت للذكور فقط.
أحد الموظفين السابقين في جامعة إدلب، قال لروزنة، إنه تم افتتاح كلية الإعلام، وجاء في شرط المفاضلة أن يكون جميع المتقدمين ذكوراً فقط، والآن جميع الطلاب من الذكور فقط.
عميد كلية العلوم السياسية والإعلام الدكتور عادل حديدي، أكّد لروزنة أنه: "سيتم افتتاح قسم للإناث في العام القادم ضمن كلية العلوم السياسية والإعلام".
وعن سبب عدم افتتاح قسم للإناث هذا العام الدراسي، يوضح حديدي أنه بسبب"ضيق المكان في بناء الكلية، لكن حالياً يتم العمل على تجهيز مكان جديد في بناء الكلية يستوعب أعداد أكبر من الطلاب، ومن كلا الجنسين".
تقول لمياء: "تخصيص دراسة الإعلام للذكور فقط، يعتبر تضييق وحرمان وسلب حق وتمييز جندري واضح".
الطالبات الناجحات في الثالث الثانوي العام الفائت، ورغبن بدراسة الإعلام انتقدن التمييز الحاصل، واعتبرن القرار سلب لمستقبلهن وأحلامهن.
وتتيح كلية الإعلام في جامعة حلب، بمدينة اعزاز، للإناث دراسة الإعلام دون تمييز بين الطرفين، لكن المسافة الطويلة بين إدلب وحلب تمنع الكثيرات الراغبات بدراسة الإعلام من الالتحاق بها.
هناء، طالبة جامعية سنة أولى في كلية التربية تقول: "كان حلم والدتي أن أدرس علوم سياسية أو إعلام، مع الأسف خصّصت الحكومة هذه الكلية للذكور فقط، ومن المستحيل أن تسمح عائلتي لي بالذهاب إلى جامعة حلب في مدينة اعزاز لدراسة الإعلام بسبب بعد المسافة، لذلك اضطررت لتغيير قسم الدراسة، وبالتالي تغيير مستقبلي".
لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود.
الصحافة في القانون الدولي
يعدّ العمل الصحفي في سياق القانون الدولي لحقوق الإنسان، انعكاساً للحق الجماعي في حرية التعبير، إذ يمتلك الجمهور المتلقي للمحتوى الإعلامي الصحفي هذا الحق، وبالتالي فإن تقييد حرية الصحفيين في العمل لا يمسّ حقهم الفردي في حرية التعبير وحسب، بل يعدّ تدخلاً بحق كل فرد في حرية التعبير، وهو ما أكدته أيضاً لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 10.
وبالتالي، فإن الاعتداءات أو القيود يقوض حق الأفراد والمجتمع ككل في التماس المعلومات والحصول عليها، والحقان مكفولان بموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وحسب التقرير الصحفي الذي أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود، فلقد تراجعت سوريا على مؤشر الصحافة من المرتبة 171 إلى175، تليها تركمنستان و إيران وفيتنام و الصين وتاتي أخيراً كوريا الشمالية.