مصير مجهول… مقاتلون سوريون تجندهم روسيا للقتال في ليبيا
عاد أبو ممدوح من ليبيا بعد أن أمضى ستة أشهر هناك، تعاقد مع القوات الروسية وتم تدريبه في مراكز داخل سوريا، وكان غادر إلى ليبيا بشكل غير شرعي، دون أي تأشيرة أو ختم خروج من سلطات النظام السوري.
قد يخيل للبعض أن سفر هذه الأعداد من المقاتلين السوريين إلى ليبيا، والتوافق الروسي السوري، قد يدفع النظام إلى غض النظر عنهم، ولكن الواقع عكس ذلك.
ملاحقات أمنية!
من خلال البحث عن طرق سفر السوريين الذين تجندهم القوات الروسية، ووضعهم القانوني بخاصة أنهم غير مسجلين في سجلات النظام السوري، سواءً أكانوا غادروا أم عادوا إلى البلاد.
توصلنا خلال هذا التحقيق إلى معلومات غير مباشرة من أحد عناصر المخابرات السورية وهو برتبة مساعد أول، مفادها بأن النظام غير راضٍ عن هذا الأمر، وأنهم يتابعون تحركات كل من يوقع عقداً مع القوات الروسية، ويصل الأمر أحياناً إلى استدعاء من ذهبوا عند عودتهم إلى سوريا للتحقيق معهم.
وكشف أن المخابرات السورية تجند أشخاصاً ممن وقعوا عقوداً مع القوات الروسية لتزويدهم بمعلومات عن السوريين العاملين مع القوات الروسية في ليبيا، وعما يتحدثون وعن ميولهم السياسية ونشاطاتهم.
ويؤكد المساعد أول أنهم حققوا مع أشخاص عدة عادوا من ليبيا لجمع معلومات مفصلة عما يفعله السوريون هناك، وفيما إذا تغيرت ولاءاتهم وأصبحت لروسيا، وهو ما يتخوف منه عناصر المخابرات السورية ويحسبون له حسابات كثيرة، بحسب تعبيره.
كما أكد أنهم أرسلوا عناصر مع القوات الروسية كمتعاقدين بهويات مزيفة، وعقود قصيرة الأمد بغية دراسة الوضع الأمني.
وبحسب المصدر، إن هؤلاء بنظر النظام السوري، مهاجرون غير شرعيين فلا وجود لحركة دخول وخروج لهم عند المنافذ الحدودية، أما عن سبب سماح النظام لهؤلاء بالسفر دون منعهم، فلا معلومات واضحة حتى الآن عن ذلك.
سبل عيش جديدة!
لا يخفى على أحد أنه لم يعد بإمكان عدد كبير من السوريين تدبر أمور حياتهم اليومية بالاعتماد على مدخولهم السابق، ولم يعد ممكناً إيجاد عمل جديد لسد رمق العيش ومتطلبات الحياة اليومية.
"كغريق يتعلق بقشة تقدمت لهذا العمل"، يخبرنا مجد الشاب الأربعيني المقيم قرب اللاذقية، والذي تقدم بطلب للعمل مع القوات الروسية، فقد راجت منذ أكثر من عام في سوريا تعاقد بعض السوريين للعمل مع القوات الروسية، دون تحديد مكان العمل، "بأجور خيالية بالنسبة لهم وبالعملة الصعبة".
وقع مجد عقداً مع القوات الروسية يُعتَبرُ بموجبه تابعاً لها ويقاتل تحت إمرتها داخل الأراضي السورية أو الليبية، وكانت أجرته بحسب العقد الذي وقعه تبلغ ١٠٠٠ دولار شهرياً إضافةً إلى تأمين القوات الروسية الطعام والشراب والمسكن.
طبيعة عمل مجد اقتصرت على كونه حارساً للمنشآت النفطية، التي قامت روسيا مؤخراً باستثمارها ضمن الأراضي الليبية.
"كل شيء مراقب وسري، ونستخدم الهاتف بشكل سري"، هكذا أردف مجد عندما سألناه إن كان بحوزته صورة للعقد المبرم بينه وبين القوات الروسية أم لا؟.
فهو يوقع عقداً بينه وبين القوات الروسية يتضمن معلومات كاملة عنه وعن تولده ومسكنه إضافة لتقديمه صوراً شخصية له وشهادة صحية تثبت خلوه من الأمراض، كما عليه توكيل شخص ضمن سوريا يستلم راتبه الشهري ويسجل معلوماته الشخصية كاسمه ورقم هاتفه ورقمه الوطني.
وبحسب العقد فإن وكيلة مجد هي "زوجته" وتستلم ٩٠٠ دولار أميركي شهرياً من مركز في مدينة السقيلبية بريف حماة، ويبقى ١٠٠ دولار أميركي تُسَلّم إلى مجد في ليبيا في حال احتاج شراء شيء، مع أن الطعام والشراب والطبابة على نفقة الروس هناك.
وبالنسبة لمجد مبلغ كهذا لم يحلم بالحصول عليه في سوريا، فهو مزارع كان يأكل مما تنتج أرضه، ولكن الوضع المعيشي والغلاء لم يعد يسمح له بالاعتماد على منتجات أرضه فقط.
مجد قرر السفر ليؤمن لقمة عيشه فقط، ولكن غيره سافروا لتأمين رأس مال يستطيعون من خلاله البدء بعمل يدر عليهم مالاً ويوفر لهم متطلبات حياتهم.
محمود الذي كان يعمل كسائق تكسي ووضعه المالي جيد نسبياً، بحسب وصفه، لكنه سئم العمل وقرر بناء مستقبل جديد، فالتحق بجموع السوريين المهاجرين إلى ليبيا عله يؤمن مبلغاً من المال يسمح لأبنائه بعيش مقبول وكريم.
وأكد مجد، أن من المتقدمين للعمل مع القوات الروسية من يختارون أن يكونوا مقاتلين أي أن هؤلاء يتواجدون في الخطوط الأمامية وهم من يتقدمون للقتال في حال تعرض مركز أو منشأة روسية لهجوم، وهؤلاء تصل رواتبهم لما يزيد عن ٢٥٠٠ دولار أميركي شهرياً بحكم أن هؤلاء معرضون للموت في أي لحظة.
ذل مضاعف!
قال سامر، رجل تجاوز الخمسين، وهو ضابط سابق في جيش النظام السوري برتبة عقيد، التحق بالعمل مع القوات الروسية بعد تسريحه، إنه وقع العقد مع الروس عله يسافر ويحل مشكلاته المادية ويتخلص من "ذل الحياة في سوريا"، لكن ما اكتشفه أن الروس يعاملونهم كعبيد في ليبيا وأنهم متخلفون عن ركب الحياة، وهذا ما دفعه لعدم تجديد عقده معهم، رغم أنها كانت فرصة ليؤمن معيشته لكنه لم يحتمل البقاء هناك.
فهناك رقابة دائمة عليهم، يحظر عليهم استخدام الجوال أو الكاميرا، ويحظر عليهم تبادل معلومات أو التصريح بما يحصل ضمن ليبيا، بحسب سامر.
ورغم أن كل المقاتلين والحراس الذين التقاهم مجد وسامر ومحمود في ليبيا هم سوريون من مختلف محافظات سوريا، إلا أن هذا لا يخفف من وطأة الخوف المستمر الذي يحيطه به الروس هناك.
أكد كل من مجد وسامر ومحمود أنهم استطاعوا التحرك والتنقل والتسوق ضمن المدينة التي تواجدوا فيها ولكن بحذر وسط حراسة ومراقبة غير مباشرة من الروس، لكن غيرهم ممن كانوا في مدن أخرى لم يكن لهم هامش الحرية نفسه.
مجد شرح أنه بعد توقيع ليبيا وروسيا اتفاقيات اقتصادية فإن المراكز الروسية تخضع للسيطرة للروسية بالكامل كما مراكزهم ضمن سوريا، ولا تتدخل بهم قوات الأمن الليبية، ويعتبرون من أفراد القوات الروسية كمقاتلين روس.
صائدو داعش!
لا تستغربوا التسمية، فهي اسم كل من يوقع عقداً للعمل مع القوات الروسية في ليبيا، وبحسب علي، شاب في الثلاثينات من عمره، وهو أحد العاملين مع الروس منذ حوالي عام تقريباً، فإن القوات الروسية تسلم كل المتعاقدين معها بطاقة هوية فيها معلوماتهم الشخصية وتعنون بـ"صائد داعش"، أي أن عملهم محصور بمحاربة وقتل عناصر "الدولة الإسلامية " داعش في ليبيا أو سوريا، حتى وإن كان عملهم غير ذلك.
والعقود التي توقع بينهم وبين الروس لا تتضمن توضيحاً فعلياً لطبيعة العمل الذي سيقومون به، كحراس لمقرات القوات الروسية أو مقاتلين في الخط الأول، أو مترجمين من اللغة الروسية إلى اللغة العربية، فقط يذكر أنهم صائدو داعش، ويختلف الراتب الشهري الذي يتقاضونه بحسب العمل الذي يقومون به هناك، بحسب علي.
كما أخبرنا علي عن وجود مراكز تابعة للروس في مدينتي اللاذقية والسقيلبية، يسجلون فيها أسماءهم ويقدمون أوراقاً كصور عن بطاقاتهم الشخصية وبيان غير محكوم وشهادة صحية تفيد خلوهم من الأمراض السارية، وبعدها ينتظرون الموافقة على قبولهم للعمل مع القوات الروسية.
المقبولون يلتحقون بمعسكر في منطقة حقل الشاعر قرب حمص الخاضع للسيطرة الروسية، وينتقلون بين هذا المعسكر وبين معسكر الصايد في ريف حمص للتدريب، ريثما يتم إرسالهم إلى ليبيا.
تختلف فترة التواجد ضمن هذه المعسكرات حسب حاجة الروس إلى القوات في ليبيا، وحسب الغاية التي سيرسلون إليها، ومهما كانت صفتهم حراس أو مقاتلين، سيخضعون لدورة تدريبية في حقل الشاعر فترتها ١٠ أيام يتعلمون فيها أساسيات العمل ومبادئه، وبعد مضي هذه الفترة ينتقلون إلى معسكر الصايد وفيه يتعلمون المهارات القتالية واستخدام الأسلحة.
هذه الفترة إما تستمر لمدة شهر واحد أو ثلاثة أشهر، ويتقاضى المتدربون خلال فترة التدريب مبلغاً يقدر بـ ٢٠٠ دولار عن أول شهر و٣٠٠ دولار عن الأشهر اللاحقة، يسلم هذا المبلغ للوكيل حصراً في مركز ضمن السقيلبية بريف حماة بعد الخامس عشر من كل شهر، ولكل مدينة يومها الخاص لاستلام الرواتب، أي توزع رواتب المقاتلين من حمص وحماة، ثم المناطق الجنوبية ثم الساحل.
أما عن الوضع هناك، فأخبرنا أحمد، شاب وقع عقداً منذ فترة قريبة مع القوات الروسية، أن الروس يشترطون أعماراً معينة، فلا يقبلون من تجاوز سن الستين، ومن تجاوز الخمسين لا يقبل به كمقاتل في الصفوف الأمامية، وتنحصر مهمة الحراس بالأعمار بين ٣٥ لـ ٥٠ عاماً وأحياناً حتى الستين.
وقال أحمد إنه بعد انقضاء مدة التدريب ضمن معسكري الصايد وحقل الشاعر اللذان يشبهان القطع العسكرية السورية، ينتظرون إرسالهم إلى ليبيا وهناك تبدأ مدة العقد الفعلية التي وقعوها داخل سوريا، والتي تبدأ من ثلاثة أشهر حتى ستة أشهر، ومن يرغب يستطيع تمديد العقد وذلك بعد موافقة الروس على ذلك.
ربيع، شاب أربعيني وقع عقداً مع القوات الروسية لمدة ثلاثة أشهر، وبقي ضمن ليبيا خلال فترة العقد، وما اكتشفه ربيع لاحقاً أنه لا وجود لقتال حقيقي ضد داعش، وعقودهم كانت كحراس للمنشآت النفطية هناك، فبعد سلسلة الاتفاقات التي عقدت بين روسيا وليبيا، استثمرت روسيا ضمن ليبيا كما سوريا، وبالطبع ستحتاج إلى من يحرس استثماراتها هناك، وكان السوريون خياراً جيداً بالنسبة لهم.
وبحسب ربيع فهم يقضون نحو ساعتين أو ثلاث ساعات كحراسة أو عمل ميداني بعدها يقضون النهار تقريباً بدون أي عمل، وتتبدل نوبات الحراسة ببرنامج دوري فيما بينهم.
ولكن يمنع عليهم استخدام الهواتف الخليوية ضمن قطعهم ومن يستطيع استخدام الجوال يستخدمه بشكل سري، أو من لديه نفوذ في ليبيا مع القوات الروسية، وبحسب ربيع يتخوف الروس من تسريب أي معلومات موثقة كصور أو فيديوهات من مناطق تواجدهم ضمن ليبيا توضح طبيعة وجودهم الحقيقية.
نساء في مهب الريح
لمجد وأحمد وغيرهم من السوريين المتعاقدين مع القوات الروسية عوائل تركوها خلفهم في سوريا، بحسب ربيعة، زوجة أحد المتعاقدين مع الروس، فهي تشعر أنها كغيرها من زوجات العساكر السوريين الذين جرى سوقهم إلى الخدمة الإلزامية أو الاحتياط في جيش النظام السوري، بل تشعر أنه زوجات العساكر السوريين أفضل حالاً منها.
"أقله تستطيع نساء العساكر الاتصال بأزواجهن متى شئن ويرون أزواجهن كل 15 يوماً أو شهر"، فزوج ربيعة وغيره لا يستطيع التواصل مع زوجته في كل الأوقات، ومن الصعب التواصل بين من سافر إلى ليبيا وعائلته، بخاصة أن حيازة الهاتف ضمن المراكز الروسية غير مسموح به.
هؤلاء النساء يعشن على أمل عودة أزواجهن سالمين، ونقلت ربيعة عن زوجها أنه في حال توفي المقاتل أو الحارس في ليبيا، فإن هناك تعويض بـ ٥ آلاف دولار تعطى لأهل القتيل، أما بخصوص الجثة فلا أحد يعلم إن كانت القوات الروسية ستحضرها لسوريا أم تدفنها هناك، ولن يحتسبه النظام السوري في عداد "الشهداء"، فقط يعتبر "مفقوداً"، وقد يلاحق ذووه أمنياً.
التحقيق من إعداد: أحمد خضور ومحسن إبراهيم - رسومات: فارس قره بيت
