في بيوت قش بالرقة.. سوريون رُحّلوا من لبنان: نريد خيمة تسترنا!

تقرير: نور الأحمد

"نريد بس خيمة نستر حالنا فيها مع أولادنا"، يصف عمار الحسين حاله مع 15 عائلة سورية أخرى، تقطن في مخيم "الحكومية" العشوائي شمالي الرقة، وسط غياب لمقومات الحياة الأساسية والبنى التحتية، بعد أن رحلوا قسراً منذ نحو شهرين من لبنان ليصلوا إلى مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية".

في "بيت" مصنوع من القش وسط أرض قاحلة، لا تصله المياه الصالحة للشرب، يشرح عمار لروزنة: "لم نرى أي خدمات حتى الآن، لم يقدم أحد لنا شيء. لا أغطية ولا لباس للأولاد ولا خيمة. نحتاج كل شيء، حتى خزان للماء لا يوجد، لا ماء للاستحمام ولا للشرب. وضعنا يرثى له هنا".

زيارات بلا أثر!

يعاني عمار من ظروف اقتصادية صعبة للغاية، لا تمكنه من استئجار منزل أو شراء خيمة له ولعائلته المكونة من ثمانية أفراد.

اطلعت "الإدارة الذاتية" ومنظمات إنسانية على أوضاع مخيم "الحكومية" وأبدت اهتماماً عند وصول العائلات، لكنها لم تنفذ أي من الوعود المقدمة، يقول عمار: "زارونا مشكورين، لكن لم ينفذ أحد شيء. حصل اهتمام، وقلنا سيقدمون لنا ما نريد. لكن فعلياً، وبصراحة، لم نحصل على أي شيء:.

يتابع: "نريد منهم التكرم علينا بخيمة فقط. بالأمس في الحر الشديد، لجأنا إلى غرفة لدى عائلة. مرت علينا ليلة صعبة، لا يمكن تخيلها ووصفها".

بنبرة حزينة، يحاول عمار تجنب الحديث بتفصيل عن رحلته من لبنان: "لا أدري ما الذي يمكن قوله عنها، الحالة كانت صعبة للغاية، حكاية لها تفاصيل طويلة وقصيرة. المهم أننا وصلنا إلى هنا بخير وسلامة".

ويتمركز المخيم بمنطقة نائية في الرقة، حيث البنية التحتية شبه معدومة، في ظل غياب مراكز للرعاية الصحية وانتشار المياه الملوثة، التي تهدد قاطني "الحكومية"  بالإصابة بالأمراض منها اللشمانيا و الكوليرا وغيرهما. 

مبيت بدائي من القش دون سقف في مخيم "الحكومية" بالرقة - روزنة

مبيت بدائي من القش دون سقف في مخيم "الحكومية" بالرقة - روزنة

"حالنا في لبنان صعب والآن أصعب"

زهرة الضاهر، التي تنحدر من قرية في ريف الرقة الشمالي، فضلت أن تبدأ حديثها مع روزنة، حول ما حصل معهم في لبنان: "كنا في مخيمات بر الياس في البقاع. خرجنا بطريقة إجبارية، هددونا وأخبرونا (دون ذكر الجهة): هل تغادرون بكرامتكم أم نستخدم العنف معكم. فغالبية العائلات فضلت كسب كرامتها قبل أن تتعرض للإهانة".

وتضيف: "ضغطوا علينا للمغادرة بسرعة. خرجنا مع الكثير من العائلات، بعد أن رأينا استخدام عنف على سوريين حولنا، وخفنا على أولادنا وبناتنا، من تعرضهم لمثل هذه المعاملة. لكن الأمر أبداً لم يكن برضانا. كان غصباً عنا".

وعن أوضاعها المعيشية الصعبة، تقول زهرة بحسرة: "لم نستقر من الناحية الاقتصادية لحد الآن. من يأتي كمغترب، لا يملك شيء. وخرجنا دون أن تسمح ظروفنا لجلب شيء، وأوضاعنا المادية كانت متواضعة".

وثائق رسمية كانت بحوزة قاطني مخيم الحكومية قبل "ترحيلهم من لبنان" - روزنة

وثائق رسمية كانت بحوزة قاطني مخيم الحكومية قبل "ترحيلهم من لبنان" - روزنة

تتابع": "عائلة أعطتنا إعارة خيمة لنستقر بها، والبعض أعطانا ألبسة للأطفال وأغطية. مخيم الحكومية ينقصه كل شيء، لا يوجد بها فرش ولا ماء ولا حمامات، لم نؤمن أي شيء. وصلنا حديثاً ولا نعرف أي شيء هنا في أطراف بلدة حزيمة".

لا تستطيع زهرة العودة إلى قريتها، لأنها منطقة على خط النار، في المناطق التي تفصل سيطرة فصائل "الجيش الوطني" بمنطقة تل أبيض، عن الأخرى الواقعة تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" جنوبها.

تعتبر زهرة وزوجها محمد اليوسف، أن عائلتهما أكثر حظاً نسبياً من العائلات الأخرى، لأنهما وجدا من يتبرع لهم بخيمة، مطالبين "الإدارة الذاتية" والمنظمات الإنسانية مساعدات لمن يقطن في المخيم "الجميع وضعه سيء. والأطفال بحالة يرثى لها".

وأشار "اليوسف" أنه لم يتعرض مع عائلته إلى أي مضايقات خلال رحلته بالأراضي السورية، لافتاً أن الحكومة اللبنانية هي من أجبرتهم على الترحيل القسري، ويختم: "حالنا في لبنان كان صعب. لكنه لم يكن بسوء وضعنا الحالي".

تواصلت روزنة مع سيد اسماعيل مندوب مخيم "الحكومية"، ليؤكد سوء الأوضاع المعيشية: "الوضع مأساوي جداً. لم تصلهم مساعدات أبداً. لا يوجد فرش ولا تجهيزات أولية، فقط بعض المتبرعين قدموا بعض الأغطية والفرش".

وتابع: "الأطفال لديهم رعب حتى الآن، وبعضهم من ذوي الإعاقة"، مشيراً أن العائلات مضطرة للبقاء في المخيم رغم سوء الوضع المعيشي فيه "وضعهم الاقتصادي لا يسمح للمغادرة، ومنازلهم الأصلية تحت خط النار، ولا يستطيعون الوصول أو الهروب إليها".

بدوره صرح منور ماجد، رئيس مكتب المخيمات وشؤون النازحين و مراكز الايواء في "مجلس الرقة المدني" ، أنهم يعملون على تنظيم المخيمات العشوائية ككل و منها مخيم الحكومية العشوائي، لكن الخدمات لن تكون كتلك المقدمة في المخيمات الغير عشوائية.

ويضيف لروزنة: "العائلات تنحدر من منطقة تل أبيض، وعائلتان من دير الزور، واتخذنا عدة إجراءات لدى وصولهم، لكن انخفاض الدعم بشكل شبه تام للمخيمات كلها، والعشوائية بشكل خاص، يؤدي إلى عدم تلقي المساعدات، التي يفترض أن تشمل مياه الشرب والخبز ومازوت التدفئة".

وأشار المسؤول أنهم طالبوا المنظمات الإنسانية المحلية والدولية لتقديم الدعم "لكن دون جدوى"، وفق تعبيره.

مبيت بدائي من القش في مخيم "الحكومية" بالرقة - روزنة

مبيت بدائي من القش في مخيم "الحكومية" بالرقة - روزنة

وتبنت بعض المنظمات مشاريع تقديم خدمات في المخيمات العشوائية في ريف الرقة ومنها "الحكومية"، لكن بعقود قصيرة الأمد، وفي الجانب التعليمي تشترط بعضها أن عدد معين فقط من أطفال العائلة يحق لهم تلقي الدروس.

وبحسب ماجد فإن "الحكومية" يفتقد لأي نوع من المساعدة، في ظل غياب لجميع الجهات، باستثناء منظمة تقدم بشكل "خجول جداً".

خيم من التبرعات لقاطني مخيم "الحكومية" في الرقة - روزنة

خيم من التبرعات لقاطني مخيم "الحكومية" في الرقة - روزنة

يبلغ عدد المخيمات العشوائية في الرقة 58 مخيماً يقطن فيها أكثر من 150 ألف شخص، منهم 76.775 سيدة و60.398 طفل بحسب "مجلس الرقة المدني"، ويقول قاطنوها أن وضعها "يتفاوت من السيء الى الأكثر سوءا".

وسبق أن غطّت روزنة في فقرة "نبض البلد" وتقارير إخبارية أوضاع المخيمات العشوائية في الرقة، وغياب الخدمات فيها.

و من بينها، تغطية حية لمراسلنا عبد الله الخلف من مخيم "شلاش الغربي" الملاصق لـ"الحكومية"، وعكست الشهادات معاناة النازحين في مخيمات المحافظة، وسط انتظار عشرات العائلات "دون نتيجة"، لتنفيذ وعود رسمية وأخرى من منظمات غير حكومية، على حد وصفهم.

"كالمستجير من الرمضاء بالنار"، مثل عربي شهير يلخص الرسالة التي تريد زهرة وعمار ومحمد وغيرهم من العائلات القادمة من لبنان "قسراً" إلى مخيم "الحكومية"، ورسائل تطالب المعنيين الذين زاروهم، بإيجاد حل عاجل يخلصهم من المأساة التي يعيشونها تحت سقف هش، لا يقيهم أشعة الشمس الحارقة.