أجساد معتقلة وأرواح حرة.. درب لامنتهي لآلام عائلات سورية
عبيدة الطراف
يمشي يمنة ويسرة، يأخذ سيجارة من محفظته ويشعلها ثم يعود للسير، لا يطيق الجلوس ثانية، أما الأمّ فقد ألقت ظهرها على أحد زوايا المنزل شاحبة الوجه متخبطة الأفكار، تحادث نفسها "ماذا لو مات؟ ربما هو خير من البقاء تحت قبضة الجلادين، لعله خير، نعم لعله خير".
بهذه الكلمات وصفت لنا عائلة حذيفة اللحظات القاسية، والتي عاشتها بعد معرفتها اعتقاله من مكتبة الجامعة، أوائل عام 2012.
حذيفة كان طالباً في كلية الطب بجامعة دمشق، وحاله كحال الكثير من طلاب الجامعات، وخاصة طلاب كلية الطب، الذين اعتقلهم اتحاد طلبة سوريا التابع لحزب البعث الحاكم.
آنذاك استخدم النظام السوري اتحاد الطلبة لمواجهة مناهضيه من الطلاب، وشارك من خلال أعضائه وقياداته في منع المظاهرات، و مارس أعمال عنيفة بحق الطلبة داخل الحرم الجامعي.
المحامي فهد الموسى رئيس هيئة فك الأسرى والمعتقلين يخبرنا: " تعمد النظام اعتقال الطلبة الجامعيين، وخصوصاً مع بداية انطلاق الحراك السلمي، حيث اعتقل المئات من الطلاب الجامعيين في عام 2011 وحتى 2012، فقد كان الأمر مدروساً وممنهجاً".
فالتشديدات الأمنية تمنع تواصل أي معتقل أو فرد من المختفين قسرياً مع أهاليهم، أو حتى محاولة طمأنتهم عن مكان تواجدهم.
التقرير السنوي الحادي عشر للشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر عام 2022، وصف النظام السوري بأنه الأسوأ في العالم في القرن الواحد والعشرين على صعيد إخفاء مواطنيه قسرياً.
هناك قرابة 111 ألف مواطن مختفٍ قسرياً منذ عام 2011
ويتم توقيف المعتقلين في الأجهزة الأمنية دون مذكرة اعتقال لسنوات طويلة، ودون توجيه تهم، ويُحظر عليهم توكيل محام، وتمنع عنهم الزيارات العائلية أو حتى مجرد التواصل مع الأهل. وفي حال تواصلت العائلة تنكر الأفرع الأمنية والسلطات وجود هم، وربما يتعرض من يقوم بالسؤال لخطر الاعتقال أيضاً.
حذيفة تحت رحمة الجلادين في فرع المنطقة
في قرية حاس بريف إدلب الجنوبي من عام 1991 ولد حذيفة لأسرة هادئة مثقفة، والده أحمد الطراف ( أبو يوسف ) موظف حكومي سابق يقتات وعائلته على راتبه فقط، وأمه خالدية ربة منزل، ولديه من الاشقاء خمسة.
العائلة البسيطة لم تمل من البحث عن حذيفة في كل فرع أمني يمكن أن يحصلوا على جواب منه، فلقد بات همّهم الأوحد منذ لحظة اعتقاله.
استمرت عمليات البحث نحو ثلاثة أشهر، لم تذق فيها الأم طعم النوم سوى لحظات قليلة، وتصحو في كل ليلة على وقع كابوس تسمع فيه نداءات وصرخات حذيفة المرعبة.
بعد بحث طويل، أولى المعلومات التي حصلوا عليها أن ابنهم محتجز في فرع المنطقة بدمشق.
تواصل أحد الشبان الناجين من فرع المنطقة و سنسميه أحمد (اسم مستعار لحماية الشاهد) الناجين من هذا الفرع تواصل مع طراف الأخ الأكبر لحذيفة (كان خلال تلك الفترة مازال يكمل دراسة ماجستير الجراحة البولية بدمشق)، طالباً منه لقاء عاجلاً.
خروج أحد المعتقلين من السجن هي الطريقة التي يعرف بها معظم أهالي المعتقلين الأخبار عن أبنائهم المعتقلين، حيث يدون بعض المساجين عناوين أهالي السجناء الآخرين شركاء الزنزانة ليتمكنوا من اخبار العائلات عن مكان تواجده.
وجاءت الأنباء الغير سارة، فالحالة الصحية لحذيفة ليست جيدة وصعبة جداً، نتيجة تعرضه للتعذيب المستمر.
"كنا نسمع صوت الجلادين من مهجعنا وهم يضربون حذيفة بشكل جنوني على يديه ويقولون سنقطع يدك يا دكتور كي لا تستعملها في معالجة أحد" يقول الشاب أحمد.
حذيفة وغيره من المعتقلين السوريين يمارس عليهم أبشع صور التعذيب، فبحسب أحد التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية تؤكد أن المعتقلين يتعرضون للضرب المبرح على يد الحراس فور وصولهم إلى السجن ويسمى هذا الإعتداء "حفلة الترحيب".
في حين قال فيليب لوثر مدير قسم الشرق الأوسط في المنظمة خلال التقرير نفسه : "طوال عقود استخدمت قوات الحكومة السورية التعذيب كوسيلة لسحق الخصوم… اليوم التعذيب جزء من هجوم منظم وواسع ضد أي شخص يشتبه في معارضته الحكومة من المدنيين، مايرقى لجرائم ضد الإنسانية".
محاولات فاشلة لإطلاق سراح حذيفة
وضعت العائلة كل إمكانياتها المادية لإخراج ابنهم من المعتقل ولكن دون الوصول إلى أي نتيجة.
وبدل أن يساعد رجال القانون العائلة استغل بعضهم الظرف و أطلقوا وعوداً كاذبة مقابل مبالغ حصولهم على مبالغ مالية كبيرة، يقول الأب: "أحد المحامين ( م،ش) وعد بإخراج حذيفة في أقرب وقت، ووعد العائلة أيضاً بإمكانية رؤيته عبر الهاتف والحديث معه هاتفياً، مقابل مبالغ مالية خسرتها العائلة والتي وصلت لقرابة 4 مليون ليرة سورية في تلك الفترة دون أن يتحقق أي شيء من ذلك".
السماسرة في قضايا المعتقلين وجدوا ملاذاً ممتازاً لتحصيل الأموال على حساب بيع الوهم للناس الذين كانوا يبحثون عن بصيص أمل لمعرفة مصير ابنائهم.
أهل حذيفة ليسوا الوحيدين الذين وقعوا في هذا الفخ، إحدى السيدات التقيناها ونحن نجهز لهذا التقرير، وأخبرتنا كيف قامت بجمع الأموال من صديقاتها ودفعتها لمساعد أمن في فرع الأمن العسكري مقابل الحصول على معلومة عن مصير ابنها المعتقل، فلا حصلت على أخبار عن ابنها المعتقل و ضاعت الأموال وأصبحت مدينة لنساء الحارة.
ينحصر هؤلاء السماسرة في أربع فئات رئيسية: الأولى هي وسطاء لديهم تواصلات قوية مع متنفذين في الدولة والأفرع الأمنية، و محامين ورجال قانون، والفئة الثالثة هم ضباط وصف ضباط، وفئة أخيرة هم وسطاء كاذبون لا يملكون أي علاقات أو وساطات حقيقية.
ورغم أن النظام السوري أضاف وزارة المصالحة الوطنية إلى حكومته إلا أنها لم تستطع من إطلاق سراح الكثيرين من المعتقلين، كما أنها لم تقدم أي معلومات عنهم حسب المعلومات التي حصلنا عليها أثناء إعداد التقرير.
الأطباء خط أحمر
لم توفر العائلة أي جهد في مقابلة المتنفذين في الدولة من ضباط و مسؤولين، وبعد الكثير من الاتصالات، تمكن الدكتور طراف شقيق حذيفة من الوصول إلى أحد الشخصيات الأمنية الرفيعة برتبة ضابط، وتوجه إلى مكتبه ودار بينهما الحوار التالي حسبما أخبرنا الدكتور طراف نفسه:
لينتهي اللقاء، ويعود الدكتور طراف أدراجه إلى العائلة محتفظاً لنفسه بتلك التفاصيل.
يصنف النظام السوري المنخرطين في عمليات التطبيب التي كان يقوم بها الأطباء أو طلبة الطب تجاه المتظاهرين أو المنخرطين في العمل العسكري على أنهم إرهابيون، ومن غير المسموح لمن دُفع ثمن الرصاص لقتله بإعادته للحياة.
ومن نجا من الاعتقال فإن محكمة الإرهاب ستكون بانتظاره، وهي التي أنشأت في عام 2012 لتكون بديلاً سيئاً عن محكمة أمن الدولة العليا.
سُدت جميع الطرق لمعرفة أخبار حذيفة في وجه الأهل، وعلى مدار ثلاث سنوات أنهى فيها الدكتور طراف دراسته وعاد إلى عائلته بريف إدلب الجنوبي، ثلاث سنوات والأهل في دوامة مرعبة من القلق والتوتر والضغوطات والآلام والأمل المتعب، حتى جاء إلى منزلهم من يخبرهم عن مصير حذيفة.
حذيفة داخل المعتقل
بعد كل هذه السنين، عاد الزمن مرة جديدة بالعائلة إلى نقطة البداية، وبذات الطريقة التي عرفوا فيها مكان اعتقال حذيفة، زعم زائرهم الجديد سامر (اسم مستعار لحماية الشاهد) بأنه كان في ذات المهجع مع حذيفة.
والمهجع هي غرفة كبيرة تتسع لعدة أشخاص في العادة، لكن المهجع في السجون السورية يكتظ بأعداد كبيرة من المعتقلين يضطر فيها السجناء أحياناً إلى النوم واقفين أو بالمناوبات حسب شهادات سجناء سابقين التقيناهم.
سامر قال لهم: "أن الالتهاب بدأ يسري في يد ابنهم اليسرى نتيجة الضرب المستمر عليها، وفي ظل الرطوبة العالية في المهجع، تورمت واحمرت وامتلأت بالقيح، وسرعان ما توسعت دائرة الالتهاب لتشمل الذراع والعضد، والجلادون لا ينفكون عن ضرب يده في كل جلسة تعذيب، وحاله من سيئ إلى أسوأ، حتى ألقوه آخر مرة في المهجع بعد التعذيب ويده تنزف دماً غزيراً وحذيفة يئن من الألم".
يصمت سامر و يتنهد مربكاً ويتابع: "لم يمضِ الكثير من الوقت حتى لاحظنا هدوء حذيفة بشكل كامل حتى أنفاسه، ليبدأ الجميع بالصراخ والطرق على البوابة قد مات حذيفة، فيأتي أحد الجلادون ويجر حذيفة من رجليه".
مسألة جثث المعتقلين واخفائها قضية تنال اهتمام معظم المؤسسات الحقوقية المعنية بشؤون المعتقلين والمختفين قسراً.
المركز السوري للعدالة والمساءلة الموجود في واشنطن في تقرير له بعنوان (لا تتركوا أثراً) أكد أن : " الحكومة السورية تهدف إلى إتلاف الأدلة التي تثبت ارتكابها لتلك الجرائم وحرمان ذوي الضحايا من معرفة مصير أحبتهم أو استلام رفاتهم".
الشاهد الأبرز في قضية صور المعتقلين والمعروف باسم "قيصر" و في شهادته المسربة عام 2013 أشار إلى أن المسؤولين في الأفرع الأمنية يقومون بإلقاء الجثث في أماكن مختلفة، ومنها مواقف السيارات وبعد 3 أو 4 أيام يأتي الطبيب الشرعي لمعاينة الجثث التي تركت في العراء عرضة للقوارض والحشرات، وبعد أن يتجاوز العدد 200 أو 300 جثة يتم جمعها وأخذها إلى أماكن مجهولة.
إضافة إلى غرف الملح و محارق الجثث التي تناولها تقرير صادر عن رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا في الـ27 من أيلول الماضي.
ورغم صدور عدد من مراسيم العفو من قبل الأسد آخرها في الـ21 من كانون الأول/ديسمبر 2022 لكنها لم تشمل المعتقلين السياسيين والذين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية.
الإثبات القانوني هو الحل؟
بعد الاخبار التي وصلت من سامر، سرعان ما تواصل الوالد مع الناشط الحقوقي حسين خاروفة، والذي أخبره: " بضرورة التوجه إلى مكتب النفوس أو القضاء العسكري بدمشق ليتبين من حقيقة الأمر".
وبالفعل أرسل الأب إلى أحد أقربائه المعروف بأبي علي، والذي توجه إلى القضاء العسكري والشرطة العسكرية، ويستلم مصنف فيه الهوية الشخصية لحذيفة وشهادة الوفاة.
كتب في شهادة الوفاة أن حذيفة قد توفي بنوبة قلبية بتاريخ 17/3/2013.
في الفترة الأخيرة علمت الكثير من العائلات مصير أبنائها عند اضطرارهم لاستخلاص أوراق ثبوتية منها القيد العائلي أو حصر الإرث، حيث كان تأتي الأوراق الرسمية تحمل صفة المتوفى للشاب أو المرأة المعتقلة.
لا يعترف النظام السوري على وفاة أي معتقل داخل سجونه بسبب التعذيب، و إنما تتحدث التقارير الطبية أن سبب الوفاة هو توقف القلب أو احتشاء قلبي. وهو أمر تنفيه تقارير حقوقية وتقول أن أسباب الوفيات يعود إلى الوفاة تحت التعذيب أو ظروف الاحتجاز الغير آدمية.
قيصر وهو الشاهد الملك في قضايا وفاة المعتقلين داخل السجون والتي قدمها أمام الكونجرس الأمريكي، أكد بأن السبب الرئيسي لوفاة المعتقلين هو التعذيب.
يقول في شهادته: "رأيت آثار شمع، ومرة رأيت علامة دائرية خاصة بالموقد الصغير - أي ذاك الذي يستخدم في صنع الشاي - وقد حرق وجه وشعر أحدهم. كان لدى بعض الأشخاص جروح غائرة، وعيون مقلوعة، وأسنان مكسورة، وآثار ضربات بكابلات كهربائية من تلك التي تستخدم لتشغيل بطاريات السيارات. كانت هناك جروح مليئة بالقيح، كما لو أنها لم تعالج منذ زمن وتعرضت للالتهاب. أحياناً، كانت الأجساد مغطاة بالدماء، لكنها دماء طازجة. كانوا قد توفوا منذ مدة قصيرة."
لم أكن قد رأيت أياً من هذا مسبقًا قبل الثورة، كان رجال النظام يعذبون المعتقلين من أجل الحصول على معلومات، لكنهم اليوم يقومون بذلك من أجل القتل.
ولكن هل فعلاً توفي حذيفة؟
لم تستلم العائلة أي جثمان لابنها حتى اليوم، هناك فقط شهادة وفاة.
قابلنا المحامي حسين خاروفة وأكد لنا أن النظام يقوم أحياناً بمنح شهادات وفاة كاذبة، هناك عدد من المعتقلين الذين عادوا لأهاليهم بعد عدة سنوات، وأن حذيفة قد يكون على قيد الحياة، رغم أن هذا الاحتمال ضعيفُ جداً.
تبقى الحقيقة غامضة وغير معروفة، طالما لم تستلم العائلات أي جثة للمعتقلين.
وحدها لجان دولية معنية بالكشف عن مصير المعتقلين في السجون السورية تستطيع الإجابة عن هذا السؤال، خصوصاً بعد تواتر الروايات عن عودة معتقلين أحياءً إلى ذويهم بعد تسلم تقارير تفيدهم بوفاتهم.
إن كنت من الأموات فقد ارتحت أنت وعُذبت أنا، وإن كنت من الأحياء عذبنا معاً
أما أم حذيفة تجلس وتنظر إلى السماء يومياً، وهي تسأل: "ترى أين أنت يا حذيفة؟ إن كنت من الأموات فقد ارتحت أنت وعُذبت أنا، وإن كنت من الأحياء عذبنا معاً، أنت بمعتقلك وأنا بالشوق إليك، فما أدري بماذا أدعو الله؟ أن تكون حياً معذباً في زنزاتك وأقتات أنا على فتات أمل برؤيتك، أو أن تكون ميتاً مرتاحاً ولا أمل لي بلقائك".
* أشرفت على إنجاز المادة لجين حاج يوسف، في إطار برنامج تدريب يضم صحافيات وصحافيين من سوريا من تنظيم منصة "أوان" وبدعم من منظمة "دعم الإعلام الدولي International Media Support".
