الزراعة المائية حلٌّ للاكتفاء الذاتي لنساء مخيم الزعتري

اعداد : آلاء القاسم

ساهمت ظروف اللجوء الصعبة في تعلم سماهر تقنية الزراعة المائية وسط بيئة صحراوية ومنطقة تعاني من شح المياه فيها، بعد أن كانت شغوفة بالزراعة التقليدية منذ وجودها في سوريا، وقد حظيت بفرصة التطوع بأجر مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مجال الزراعة المائية داخل مخيم الزعتري.

تدريب يتبعه نجاح

وتعيش سماهر كنبر مع أبنائها الخمسة داخل مخيم الزعتري منذ عام 2014، وهي المعيلة لهم بعد وفاة زوجها في سوريا، وقد عانت في بداية وجودها في المخيم من تأمين أدنى متطلبات العائلة، لحين عملها في مجال الزراعة المائية، وذلك بعد تلقيها تدريبات من قبل لاجئين سوريين ذوي خبرة في ذلك المجال.

وتوضح أن هذا المشروع يُنفذ داخل المخيم بدعم وإشراف خبراء من جامعة شيفيلد البريطانية وبالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتقوم فكرة الزراعة المائية على إنتاج النباتات من أوساط غير التربة، حيث يتم الاستعاضة عن التربة بالمحاليل المغذية الطبيعية (الخالية من أية مواد كيميائية)، عن طريق إذابة العناصر الغذائية (السماد) في الماء وفقاً لمقاييس مدروسة، أي أن النبات يمكنه العيش بدون تربة إذا توفرت له حاجته من الماء والعناصر الغذائية.

وبعد نجاح عملها في الزراعة المائية، تسلمت نظاماً يمكّنها من العمل في منزلها، فساعد عائلتها على الاكتفاء الذاتي، من خلال توفير الاحتياجات اليومية لهم، من بعض الورقيات والثمار كالنعنع والملفوف والبندورة والخس والباذنجان والفليفلة والجزر والفريز وغيرها، وهي بذلك تؤمّن احتياجات أبنائها من هذه المحاصيل في ظل عملها خارج البيت.

ولم تخلُ تجربتها من محاولات لإحباطها من البعض، فتقول:"عانيت في البداية من الصورة النمطية، بأنّ النساء لا يمكن أن ينجحنّ بالزراعة الحديثة التي تعتبر حكراً على الرجال، على حدّ زعم البعض، لكنني ازددتُ إصراراً لأبدع اليوم في هذا المجال، الذي أصبح مصدر دخل لنا، علاوة على أنه يشعرني بالثقة بالنفس لأنّني أصبحت اليوم منتجة في مجال أحبّه، وأدعمُ عبره أسرتي ومجتمعي".

نقل الخبرة

وسعياً منها لنقل التجربة اتجهت لتشارك في تدريب وتشجيع نساء أخريات على هذه التقنية الحديثة، خلال حضورها الجلسات التي يعقدها فريق من اللاجئين ذوي الخبرة في الزراعة الحديثة، فتتابع حديثها: "عندما ترى النساء صور لمحاصيل الزراعة في بيتي تنهال علي الاستفسارات حول عمل هذا النظام، وكيف أني كامرأة أبدعت فيه، وبذلك يتشجعنّ أكثر لتعلم أسرار هذه الزراعة وممارستها".

ومن النساء النشيطات اللواتي برعنَّ في ذلك العمل بعد التدريب، وحصلت على نظام الزراعة في بيتها أيضاً، جارتها منال الحراكي، والتي تعيش مع أسرتها في المخيم منذ عام 2013، فكان هذا المجال بالنسبة لها تجربة مهمة تكفي بها عائلتها، وتخفف تكاليف شراء بعض الخضروات وسط غلاء الأسعار، وعدم إيجاد زوجها عملاً، نظراً لقلة فرص العمل في المخيم وسط الأعداد الكبيرة من اللاجئين.

وتشرح المتدربة الجديدة عن دعم كنبر لها، فهي جارتها إلى جانب عملها وإشرافها على عملها في الزراعة، فقد كانت تتابع معها زراعتها للمحاصيل، والاهتمام بها في بداية خوضها لهذه التجربة الجديدة مع فريق اللاجئين المدربين، حتى نجحت في هذه التقنية، وهناك تواصل مستمر بينهم في حال احتاجت معلومات إضافية، أو إذا كان هناك خلل في النظام حتى يتم إصلاحه، وليتم أيضاً مدّها باستمرار بالشتل والمحلول المغذي.

ومن بعض الأصناف التي نجحت في زراعتها البصل والزهرة والسبانخ والكزبرة والبقدونس والفليفلة والخس والملفوف وغيرها، ونقلت منال خبرتها إلى بناتها اللواتي يساعدنها في متابعة عمل هذا النظام الزراعي.

تقول الحراكي :"أشعرُ بطاقة إيجابية وأنا أهتم بهذه الزراعة، ولا سيما عندما أرى نتيجة تعبي عند نمو المحاصيل ونجاحها، ويكفي أن نرى الخضار حولنا لنشعر بالارتياح النفسي".

وتابعت في طريق دعم وتمكين غيرها من النساء بهذه التقنية الحديثة، فتستغل فترة وجود صديقتها ابتسام الوادي في بيتها لتطلب منها مساعدتها في زراعة الشتل وإضافة المحلول المغذي للماء، وتقديم توجيهات وتعليمات لها حول كيفية نجاح المحصول، وذلك بغرض تطوير معلوماتها، وتشجيعها للاتجاه نحو هذه الزراعة، لتكفي بها بيتها.

وتُعيلُ ابتسام ابنيها وزوجها المريض، وتعمل بنسج الصوف لتؤمن دخلاً لأسرتها، وتوضح الوادي أنها التحقت في السابق بتدريبات الزراعة المائية مع صديقتها الحراكي، ونجحت في القسم العملي من التدريب الذي تضمن تجربتهم بزراعة شتل من الخس والريحان والفليفلة في علب صغيرة مزودة بالمواد والمحلول المغذي اللازم للزراعة، والاهتمام به في منازلهم.

ولكن الوادي إثر ظروف معينة انقطعت عن متابعة هذا المجال لفترة وجيزة من الزمن، وتوضح كيف عملت الحراكي على دعمها، فتقول: "منال ساعدتني لأسترجع معلومات التدريب، وأطور نفسي أكثر، من خلال توجيهاتها ونصائحها التي توصلت لها من تجربتها لعدة سنوات بالاهتمام في هذا النظام".

وتضيف الوادي أن تعلُم هذه التقنية ليس مهماً فقط في ظل وجودهم بالمخيم، بل في حال عادوا إلى سوريا  يوماً ما، لينقلوا هذه التقنية لأقاربهم وجيرانهم، نظراً لأهميتها في توفير المياه، وخلوها من أية أسمدة كيميائية مضّرة بالصحة، وفي حال كانت إقامتهم في مدينة لا يوجد فيها مساحات من الأراضي، سيكون بإمكانهم الزراعة على سطح المنزل أو في الشرفات، لأنّ هذه التقنية لا تحتاج للتربة.

خبرة أكاديمية مدعومة

ومن جهته يوضح اللاجئ السوري أحمد الزعبي، وهو من المدربين بمجال الزراعة المائية داخل مخيم الزعتري منذ انطلاقة المشروع في المخيم عام 2018، بدعم وإشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة وخبراء من جامعة شيفيلد البريطانية أنهم يستهدفون بتدريباتهم جميع فئات المجتمع من الرجال والنساء، ولاحظ أن النساء أكثر تفاعلاً واهتماماً بالزرع، نظراً لتواجدهنّ في البيت أكثر من الرجل.

ويعيش أحمد الزعبي وأسرته داخل مخيم الزعتري منذ عشر سنوات، ولديه خبرة واسعة في الزراعة نظراً لعمله بمشروعه الزراعي الخاص في سوريا لسنوات طويلة، ما ساعده على تعلم تقنية الزراعة المائية في وقت قصير جداً، وهي اليوم مصدر دخل لأسرته.

ينوه الزعبي إلى أن هذه التقنية مهمة، لتوفيرها المياه بنسبة 90% ولا يُستخدم فيها أية مبيدات حشرية أو أسمدة كيميائية، ما شجعه على تدريب مجتمع المخيم على تقنياتها مع فريق من الزملاء.

وجود النساء مهم في التدريبات

وهناك أهمية لمساعدة سماهر كنبر لهم في تدريباتهم للنساء، لأنهنّ يجدنّ راحة أكثر في التعامل معها، والاستفسار منها ومتابعتها لهنّ.

ويتحدث الزعبي قائلاً: "إن وجود سماهر معنا في التدريبات يعتبر محفزاً ناجحاً للعنصر النسائي، لاسيما أنها أتقنت هذه الزراعة في وقت قصير، فهي ومنال الحراكي المستفيدتان من تدريباتنا تشجعان اليوم نساء مجتمعهنّ بعد إبداعهنَّ بعد نجاحهما".

"نحن النساء أينما حللنا حلّ الإبداع معنا، وعلينا دائماً أن نواكب التقنيات الحديثة بمختلف مجالات الحياة لدعم أسرتنا ومجتمعنا، ولنكون نموذج ملهم لتشجيع غيرنا من النساء".
تقول سماهر

ويذكر الزعبي أنه يتم تركيب أنظمة زراعة مائية لمجتمع المخيم، بعد خضوع المستفيد لتدريبات نظرية وعملية، ويتم التركيز على تمكين النساء بالدرجة الأولى، وبكون هذه الزراعة تحتاج إلى تكاليف مادية لنجاح الأنظمة وإنتاج المحاصيل، تُعنى جامعة شيفيلد بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمدّ السكان بجميع المواد اللازمة لها.

ومن أنظمة الزراعة المائية المعمول بها داخل المخيم، كما يقول الزعبي منها نظام الزراعة بالأنابيب، والوسط الذي يحتاجه بعض الأكواب والإسفنج لتثبيت الشتل، ومضخة لضخ الماء مع المحلول المغذي للأنابيب لريّ الزرع، ونظام الداتش بوكيت وهو عبارة عن وسط حجر بركاني (مطحون وناعم) تزرع فيه النباتات، ومزود بمضخة وخط تغذية وخط راجع لأجل عملية تدوير الماء المضاف له المحلول المغذي بين الخزان والنباتات، ويمتاز هذا النظام بأن حجر البركان يوفر بداخله رطوبة ونسبة من المحلول المغذي، ما يساعد على عيش الشتلة لمدة ثلاثة أيام دون ريّ.

وينوه الزعبي إلى أن جميع هذه الأنظمة يستخدم بها نفس مقاييس المحاليل المغذية، حيث تضاف نسبة معينة مدروسة من المحلول المغذي لكمية محددة من الماء، والمحلول المغذي يحتوي على عناصر غذائية كبرى وصغرى مثل البوتاسيوم والكالسيوم والمغنسيوم والكبريت والنحاس والأوكسجين والهيدروجين والزنك وغيرها، وبالتالي يوفر للنباتات احتياجاتها من العناصر الغذائية الأساسية، ليصبح وكأنه مزروع في تربة خصبة.

ونظراً لأهمية الزراعة المائية لمجتمع المخيم الفقير بالمياه تطمح سماهر بأن تنتشر تلك الزراعة في جميع بيوت المخيم، ولا سيما في البيوت التي تُعيلها النساء.

* أُنجزت هذه المادة بإشراف لينا الشواف في إطار برنامج تدريب يضم صحافيات وصحافيين من سوريا من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة "دعم الإعلام الدولي International Media Support"