سوريون يواجهون الأسعار المرتفعة في شهر رمضان بجيوب فارغة
حبيب شحادة
خرجت أطباق رمضانية رئيسية من موائد الصائمين خلال العشر الأول من رمضان في مناطق سيطرة النظام السوري وتحولت إلى موائد "فقيرة" وسط ظروف هي الأسوأ اقتصادياً ومعيشياً جراء ارتفاع أسعار أغلب السلع الغذائية والاستهلاكية.
كذلك، لم تَعد تلك الموائد في رمضان كما كانت خلال السنة الفائتة 2022، ومرد ذلك، ارتفاع أسعار السلع الغذائية بين 150 و 200% عما كانت عليه في رمضان السابق حسبما تشير التقديرات. إذ ارتفع سعر كيلو اللحوم الحمراء من 30 ألف ليرة إلى 80 ألف، وطبق البيض من 13 ألف إلى 25 ألف ليرة.
حركة شراء ضعيفة
في ظل تجاوز نسبة الفقر في سوريا الـ 90% وازدياد من يعانون انعدام الأمن الغذائي إلى قرابة نصف السكّان، وفق تقديرات الأمم المتحدة، شهدت حركة الأسواق تراجعاً في الشراء خلال العشر الأول من رمضان، قدره عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق بأكثر من 50%، في تصريحات صحيفة.
بدوره أكد رئيس جمعية حماية المستهلك في دمشق عبد العزيز معقالي في تصريحات نقلتها صحيفة "الوطن" "إنَّ حركة الأسواق خلال شهر رمضان الجاري ضعيفة، وأن أبسط طبخة تصل كلفتها إلى نحو 100 ألف ليرة سورية".
وفي بداية شهر رمضان بلغ وسطي تكاليف معيشة الأسرة السورية، 5.6 مليون ليرة، وفقاً لتقديرات "مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة"، التابع لحزب الإرادة الشعبية السوري، في آذار/مارس الفائت 2023.
وقد اقتصاديون في العاصمة دمشق متوسط ارتفاع الأسعار خلال الأسبوع الأول من رمضان بحوالي أكثر من 30%، وارتفاع أسعار الحلويات بأكثر من 100%، عدا عن التمور التي خرجت عن موائد الصائمين لارتفاع سعرها، إذ وصل سعر كيلو التمر من النوعية الجيدة لأكثر من 100 ألف ليرة.
سوق الجزماتية - دمشق - 2023
سوق الجزماتية - دمشق - 2023
الأفطار.. صنف واحد
تحاول فريال جمعة، -موظفة حكومية- (48) عاماً، السير مسرعةً ضمن سوق باب الجابية بدمشق، إذ ما عادت تستطيع أن تستوعب ذلك الغلاء الحاصل الذي أفقدها قدرتها الشرائية. وتقول لـ "روزنة"، "ما بعرف شو طعمي ولادي برمضان"، مضيفةً أنها في الأيام العادية كانت تتدبر أمر عائلتها كل يوم بيوم، أما في شهر الصيام فـ "الأولاد يشتهون كونهم صائمون"، حسب وصفها.
وتتخوف السيدة الأربعينية كما غيرها آلاف العائلات في دمشق من ارتفاع الأسعار اليومي في رمضان، فضلاً عن فقدانها السلة الغذائية التي كانت تحصل عليها من قبل إحدى الجمعيات الخيرية بدمشق قبل أشهر بحجة تقليص عدد السلل الغذائية من قبل برنامج الأغذية العالمي جراء نقص التمويل.
ولا يتجاوز دخل جمعة الشهري 125 ألف ليرة، يكفيها بالكاد 10 أيام مصروف لمنزلها رغم تقنينها وامتناعها عن شراء الكثير من احتياجات عائلتها وحذفها لوجبة السحور واكتفائها بصنف واحد من الطعام على الإفطار يومياً وبدون أي نوع من الشوربات والحلويات والمشروبات الرمضانية، كما قالت، موضحةً أنها تشتري مستلزمات إفطار عائلتها من بقالية حارتها على أن تدفع ثمنها تقسيطاً.
سوق الجزماتية - دمشق - 2023
سوق الجزماتية - دمشق - 2023
غياب الأكلات الشعبية
عدا عن ذلك، لم يعد حديث الناس عن ارتفاع أسعار اللحوم والبيض، إنما عن ارتفاع أسعار المواد الضرورية كالألبان والخضار، كما أفاد خالد المبيض لـ "روزنة"، وهو صاحب بقالية في حي الشيخ سعد بدمشق، مضيفاً أن أغلب الناس فقدت قدرتها على شراء الخضار وأصبحت تفاضل بينها وبين الفواكه.
ويؤكد المبيض في حديثه لـ "روزنة" أن أغلب الناس تشتري مستلزمات إفطارها بكميات قليلة، "حبة من كل نوع"، في محاولةً منهم لتمرير شهر الصيام، مشيراً إلى أنه خفض شراء كميات مختلف الأصناف من الخضار والفواكه في بقاليته إلى النصف عما كان يشتريه سابقاً من سوق الهال بدمشق.
بينما يرى عبد القادر شطي،(46عاماً) وهو موظف قطاع خاص دخله جيد (500 ألف ليرة) مقارنة بغيره من موظفي القطاع الحكومي، أن رمضان هذا العام لا طقوس له، ويقول لـ "روزنة" "غابت الأكلات الشعبية عن موائدنا ما ألغى الذاكرة الدمشقية الرمضانية المرتبطة بهذه الأكلات التي تعتبر من التراث اللامادي".
ورغم بقاء دخله ثابتاً، إلا أن ارتفاع الأسعار أفقد عائلة الشطي المكونة من 5 أفراد استقبال رمضان بالطبق المعتاد لدى أهل الشام وهو الشاكرية، التي تحتاج إلى كيلو لحم أحمر بـ 80 ألف ليرة، و2 كيلو من اللبن بـ 25 ألف ليرة، وكيلو أرز بـ 12 ألف ليرة، عدا عن البهارات المختلفة، أي ما يقارب ثلث راتبه الشهري.
كما افتقدت أغلب العائلات ما كان يعرف بـ "سبكة رمضان"، وهي تبادل الأطباق والحلويات بين الجيران، كما قال الشطي. مضيفاً أنه لم يعد قادراً على شراء "المعروك، والناعم، والعرقسوس"، والتي تُعد من مكملات الطقس الرمضاني.
سوق الجزماتية - دمشق - 2023
سوق الجزماتية - دمشق - 2023
ويعتمد الشطي على مساعدة أخيه المقيم في ألمانيا لتدبر تكاليف صيام عائلته، "اللي عندو حدا برا أكل وشرب، واللي ما عندو مات من الجوع وسط بحثه بين الجمعيات الخيرية لتأمين سلة غذائية"، قال الشطي.
تبقى مشكلة أغلب السوريين في عدم تناسب دخلهم الشهري مع الغلاء الفاحش الذي أفقدهم قدرتهم الشرائية، رغم توفر مختلف أنواع السلع الغذائية والرمضانية في الأسواق.
