شاطئ جول جمال بقبضة الروس

ودع أهالي اللاذقية آخر شاطئ شبه مجاني متاح لهم في قلب مدينتهم، مع إعلان مجلس المدينة منح شركة "سينارا إنت" الروسية، شاطئ جول جمال الشعبي للاستثمار وبناء منتج سياحي متكامل، لن يحلم أبناء المدينة بأكثر من إلقاء نظرة خاطفة عليه في حال مرورهم بالقرب منه.

استثمار في الوقت بدل الضائع

في العام 2020 طارت هدى 28 عاماً من الفرحة، حين سمعت بافتتاح شاطئ جول جمال الشعبي مجدداً، بعد إغلاق لنحو عشر سنوات، على خلفية الاحتجاجات الشعبية في المدينة، وأمضت صيف ذلك العام، بالمواظبة على زيارة الشاطئ مع صديقاتها والاستمتاع بسياحة شبه مجانية.

تقول هدى وهي خريجة جامعية تعمل في القطاع الخاص لروزنة: "كان رسم دخول الشخص الواحد 500 ليرة للكبار ومجاناً للصغار، وأجرة طاولة واحدة مع أربع كراسي ولمدة 5 ساعات 1000 ليرة فقط، ونستطيع إحضار ما نريده من طعام وشراب معنا".

للأسف لم يعد ترف السباحة على شواطئ المدينة، متاحاً لغالبية أهلها، فكل الشواطئ فيها مستثمرة من قبل منتجعات باهظة الثمن مثل الشاطئ الازرق وروتانا، وبكلفة دخول لا تقل عن 15 ألف ليرة للشخص الواحد.

ومع منح وزارة السياحة شاطئ جول جمال للروس، فإن الأهالي لن يتمكنوا من السباحة إلا إذا ذهبوا لخارج المدينة مثل شواطئ وادي قنديل أو البصة أو رأس البسيط أو الشقيفات، وهو ما سيكلفهم مبالغ مالية هائلة كأجرة مواصلات لا تقل عن 40 ألف ليرة وتصل حتى 100 ألف ليرة.

شاطئ الفقراء

يعرف شاطئ جول جمال على المستوى الشعبي، بأنه شاطئ الفقراء، ويرتبط بذكريات أهل المدينة، الذين زاروه أطفالاً وعادوا إليه كباراً مع أطفالهم وأحفادهم، وسيكون مستقبلاً الذكرى المرّة، كما يقول الجد أبو حسام 80 عاماً، والذي زاره صغيراً وشاباً وكهلاً، مبدياً لروزنة حزنه الكبير على فقدان تلك الذاكرة، يقول: "كل شيء في هذا البلد فقد هويته، بدءا من البشر وحتى الحجر".

وأبدى معظم أهالي المدينة امتعاضاً كبيراً من منح الشاطئ للروس، يستطيع أياً كان قياس نسبة الغضب من هذا التصرف، بتتبع الفيسبوك والتعليقات عليه، بينما لم ينعكس الأمر كاحتجاجات في الشارع جراء القبضة الأمنية المحكمة ومنع الناس من التظاهر والاحتجاجات.

الروس سرقوا طموح مجلس المدينة؟

صيف العام 2020 أعلن مجلس مدينة اللاذقية، إعادة افتتاح شاطئ جول جمال مجدداً بعد إغلاقه نتيجة الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد، وقال رئيس دائرة الأملاك بالمجلس، "علي مهنا" حينها في تصريحات لسانا الرسمية، إنهم وضعوا خطة طموحة ورؤية جديدة لاستثمار شاطئ جول جمال خلال عام 2021، بهدف جعله شاطئ شعبي مفتوح، أي لعامة الناس.

آنذاك قال مجلس مدينة اللاذقية على موقعه عبر الانترنت أن هذه الخطوة تأتي ضمن التوجه الحكومي بتأمين مسابح شعبية للاخوة المواطنين بأسعار رمزية، مع تقديم خدمات لائقة ، وأنشطة شاطئية مرافقة، وبإدارة ذاتية من مجلس مدينة اللاذقية، الأمر الذي يخدم شريحة واسعة من أبناء مدينة اللاذقية، من ذوي الدخل المحدود، والطبقة الفقيرة .

ما الذي جرى؟

تقول مصادر خاصة في وزارة السياحة لروزنة، إن الشركة الروسية اختارت موقع شاطئ جول جمال للاستثمار منذ عام 2007، وتم التعاقد بالفعل، إلا أن خلافات برزت بين الطرفين جراء محاولة الشركة الروسية إدخال شروط خاصة بها والعمل بعيداً عن العقد المبرم، ما أثار حفيظة الجانب السوري فتوقف العمل بالمشروع.

لكن وكالة سانا في عام 2014 عزت التأخير في استثمار العقد إلى أن تأخر الشركة الروسية بالتقدم بمخططات لاستثمار الجزء الثاني من موقع جول جمال السياحي في محافظة اللاذقية للحصول على رخصة التشييد السياحي أي بتأخير ومقداره نحو سبع سنوات آنذاك. 

حصل هذا التأخير، فيما يلزم القرار الصادر عن مجلس السياحة الأعلى في عام 2002 أي منشأة تحصل على ترخيص استثماري انجاز المشروع و الدراسات اللازمة خلال أربع سنوات من تاريخ توقيع العقد، وهو ما خلفته الشركة الروسية.

لا يوجد مبلغ مالي واضح لقيمة الاستثمار الروسي، حيث تقول وكالة سبوتنيك أن الشركة الروسية "سينارا إنت" قدمت في عام 2014 مخططات أولية لتنفيذ مجمع سياحي بكلفة بلغت 5 مليارات ليرة سورية أي ما يعادل  "28 مليون دولار" وفقاً لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، والذي كان بحدود 181 ليرة للدولار حينها.

في آخر تصريح رسمي نقلته جريدة الوطن المحلية فقد صادق وزير السياحة في حكومة النظام محمد مرتيني على تشييد المجمع سياحي بصيغة استثمار bot ومدة استثمار /45/عاماً ومدة تنفيذ /6/ سنوات، وبتكلفة تصل إلى أكثر من 100 مليار ليرة سورية حسب تصريحات الوزير.

وفي ظل كل هذا الاضطراب الزمني بين بداية العقد و التنفيذ الحالي، ومتابعتنا لـ موقع الشركة تبين أن العمل بدأ منذ عام 2010 حسب تصريحها.

 رغم حصول الشركة الروسية على شروطها عام 2014، إلا أنها لم تبادر لبدء تنفيذ المشروع، وخالفت بالمدة العقدية، وبقيت تماطل والشاطئ مغلق دون استثمار حتى عام 2020 حين قرر مجلس المدينة افتتاح الشاطئ، فتعود الشركة الروسية لخوض النقاشات مجدداً وتنجح بالاستحواذ على الشاطئ بعد عامين فقط ويغلق مجدداً بوجه السوريين.

كان من المفترض أن ينطلق المشروع لبناء برج فندقي بارتفاع 57 متر، يتضمن 16 طابق ومطعم.

تؤكد المصادر لروزنة أن الشركة الروسية لم تدفع أي غرامات لمجلس المدينة، بسبب مماطلتها بتنفيذ المشروع كل تلك الفترة.

سينارا إنت

تعمل الشركة الروسية هذه والمعروفة باسم sinara group، في مجال النقل بالسكك الحديدية والخدمات المالية والتطوير العقاري، تم تأسيسها منذ عام 2001، وتمتلك الشركة فرعاً لها في سوريا منذ عام 2005 برأسمال اكثر من 3 ملايين ليرة سورية آنذاك، ومقرها الرئيسي في ريف دمشق باسم "أينتوريست سيناراالتي تمتلك العديد من الاستثمارات في مجال السكك الحديدية والعقارات.

واعتاد ممثلو الشركة لقاء وزير السياحة منذ بدء مشاركة الوزارة في المعرض الدولي للسياحة والسفرالمقام في موسكو منذ عام 2007.

التعاقد مع شركة السياحية الروسية جاء وفق نظام الـ BOT اللامحدود، و التي تسمح بفترة زمنية لا تقل عن 25 عام و لا تزيد عن 99 عام، مقابل بدل إيجار يعاد النظر فيه كل خمس سنوات.

التصور المعماري لشاطئ جول جمال من قبل الشركة السورية سينارا جروب - مصدر الصورة : وزارة السياحة السورية

التصور المعماري لشاطئ جول جمال من قبل الشركة السورية سينارا جروب - مصدر الصورة : وزارة السياحة السورية

التصور المعماري لشاطئ جول جمال من قبل الشركة السورية سينارا جروب - مصدر الصورة : وزارة السياحة السورية

  التعاقد على طريقة نظام الBOT؟

وهو إجراء تعاقدي تقوم بموجبه جهة من القطاع الخاص ببناء (Build) منشأة معينة للبنية التحتية قد تكون هذه المنشأة محطة للطاقة الكهربائية أو مطاراً أو طريقاً مدفوعة حين استخدامه أو نفقاً أو محطة لمعالجة المياه، بما في ذلك تصميمها وتمويلها، ومن ثم تشغيلها (Operate) وصيانتها.

كما تقوم هذه الجهة بتشغيل هذه المنشأة فترة زمنية متفق عليها في العقد  كما يسمح لها خلال هذه الفترة الزمنية بفرض أعباء ملائمة على مستعملي هذه المنشأة ومصاريف أخرى لا تتجاوز تلك الأعباء والمصاريف المحددة في عطائها والواردة في اتفاقية المشروع لتمكين جهة القطاع الخاص من استرداد استثمارها ونفقات التشغيل والصيانة في المشروع إضافة إلى عائد معقول على ذلك وفي نهاية الفترة الزمنية المحددة.

هذه الفترة الزمنية التي تتمدد لعدد من السنوات تنقل (Transfer) ملكية المنشأة من جهة القطاع الخاص إلى هيئة حكومية أو إلى جهة خاصة جديدة مختارة من خلال طرح عطاء عام، أما عن تحديد فترة الالتزام  تكون بصورة رئيسية من خلال طول المدة اللازمة لتدفق الموارد لتسديد دين الشركة وتقديم معدل عائد معقول لقاء عملها ومخاطرتها.

حسب العقد الموقع فإن الشركة ستعمل على استثمار المشروع لمدة 45 عام. ويذكر أن عقد اسثمار روسيا لميناء طرطوس أيضاً حددت مدته ب 49 عام.

استثمارات مرتقبة

وتسائل العديد من أهالي مدينة اللاذقية، لماذا لم تلجأ الحكومة لمنح الشركة الروسية أي شاطئ آخر خارج المدينة للاستثمار، وترك شاطئ الفقراء للفقراء، خصوصاً أن العديد من المواقع الطبيعية متوافرة سواء على شواطئ مدينة جبلة أو ريف اللاذقية.

لكن الاجابات على تلك التساؤلات لن تطول كثيراً، وبحسب معلومات متداولة، فإن هناك حالياً خطط روسية لاستثمار شواطئ رأس البسيط الذي يبعد عن المدينة نحو 60 كم أيضاً، إلا أن الخدمات والبنى التحتية السورية تشكل عائقاً للاستثمار الروسي حالياً، حيث تدور مشاورات تهدف لتحسين البنى التحتية من قبل الروس بشرط الاستحواذ على الشاطئ لمدة طويلة أيضاً.

ويدير معظم هذه الاستثمارات مجموعة من رجال الأعمال الاولغارشيين التابعين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

يذكر أن رئيس مجلس مدينة اللاذقية، حسين زنجرلي، قد أعلن عن توقيع عقد استثمار شاطئ جول جمال مع الشركة الروسية، بعقد مدة تنفيذه 6 سنوات، بينما تبلغ مدة الاستثمار 45 عاماً، دون أن يذكر تفاصيل العقد وحصة الجانب السوري منه.

وكانت وزارة السياحة قد أعلنت شهر كانون الأول 2021، عن رفد خزينة الدولة بأرباح بلغت 11 مليار ليرة سورية، أي أنها أحد أهم القطاعات العاملة حالياً، والتي من شأنها أن تساهم بدعم الاقتصاد السوري، ما يثير المزيد من التساؤلات حول عدم استثمارها المنشآت السياحية ومنحها للغرباء والأجانب.

وسبق أن أعلنت الحكومة منح روسيا استثمارات هامة، سواء في مجال الفوسفات أو مرفأ طرطوس، وسط استمرار المشاكل لدى عمال تلك المنشآت من السوريين، الذين تكثر شكاويهم من معاملة الشركات الروسية المستثمرة لهم، والتأخر في رواتبهم وعدم منحهم حقوقهم المهنية.

المشروع السياحي في جول جمال لن يكون الأخير، فقد أعلنت وزارة السياحة في عام 2017 تعلن عن استدراج عروض لاستثمار (15) موقع عرضت للاستثمار السياحي في ملتقى الاستثمار السوري الأول وفق صيغة التعاقد BOT وتوزعت في محافظات دمشق واللاذقية وطرطوس وحماه.

المادة من اعداد الصحفية علياء الأحمد