خسائر "جانبية"... قصص حب

من حول زلزال 6 شباط

"هل سأموت قبل أن نلتقي؟"، راود هذا السؤال ليليان خلال لحظات الزلزال القاسية، فشوقي هو أول من خطر في بالها في تلك الليلة الصعبة. كانا قد أنهيا اتصالهما الطويل قبل الكارثة بدقائق، وكان صوته ما زال في رأسها.

ليليان وشوقي هما قصة من بين قصص حب كثيرة غيّر الزلزال مسارها، تتبّع موقع "روزنة" بعضها، فالكارثة لم تأتِ على الحجر وعلى الخسائر البشرية وحسب، بل انسحبت على العلاقات الاجتماعية والعاطفية لمن بقوا على قيد الحياة.

بين هؤلاء من تداعى حلمهم بالزواج بسبب الزلزال والظروف التي فرضها، ومنهم من قرر خوض المعركة حتى النهاية.

بدأت قصتهما قبل أعوام قليلة، حين تركت ليليان تعليقاً على أحد المنشورات في مواقع التواصل الاجتماعي، فبادلها شوقي بإعجاب وطلب صداقة.

بعد مدة تطور الأمر ليتحول إلى تواصل شبه يومي، بين شوقي ابن مدينة حلب وليليان ابنة اللاذقية، أي أنه ينتميان لبيئتين مختلفتين، حتى انتماءاتهما السياسية لم تكن واحدة، لكنهما التقيا حول الحب والتفاهم وكانا يتحاشيان الحديث في السياسة والاختلافات إلا من باب السخرية والمزاح، على قاعدة أن السوري هو الخاسر الأكبر في مطلق الأحوال. 

اعترف شوقي الذي يقيم في منطقة تدعى سانت بولتن، بالنمسا، بحبه لليليان يوم عيد الحب عام 2021، بعد أقل من عام على تعارفهما، وأرسل لها هدية مع إحدى شركات التوصيل، أتبعها برسالة لطلب يدها، إلا أن الشابة لم تستطع القبول ولا الرفض، وبعد تفكير قررت خوض هذه العلاقة، ولتذهب الأمور كيفما تشاء على حد تعبيرها.

خشيت ليليان كما تخبرنا من رد فعل أهلها بسبب الاختلاف بين بيئتيهما، كما أن التعارف وجهاً لوجه يبدو مستحيلاً بسبب البعد الجغرافي.

لم تجرؤ على مصارحة العائلة إلا من باب النكتة يوماً ما، وأثارت الموضوع على شكل مزحة مع والدتها، التي أخبرتها أن بقاءها في المنزل دون زواج أفضل من "هيك رمية".

تنتمي ليليان لعائلة كانت متوسطة الحال ومن ثم غرقت كمعظم السوريين في الفقر، وهي لا تعمل باختصاصها أي علم النفس، إنما تعمل في إحدى المكتبات القريبة من جامعة تشرين، لذا كان استمرار التواصل مع حبيبها عبر الإنترنت مكلفاً لها، خصوصاً مكالمات الصوت والصورة، تضاف إلى ذلك انقطاع الإنترنت  والكهرباء باستمرار، فكان عليهما تقنين مدة المكالمات، تضيف: "ربما هذا ما زاد علاقتنا قوة، كنا نستغل الوقت القصير المتاح للحديث بعيداً من التفكير بالمصير الذي ينتظرنا".

ليلة الزلزال كانت ليليان قد أنهت مكالمة مشحونة بالحب والعواطف، ونامت بأحلام اللقاء والزواج، إلا أنها استفاقت على اهتزاز سريرها بقوة بينما يصرخ المنزل بكامله "زلزال"، وتُسمع أصوات تكسر الجدران في الخارج، لدرجة أنها لم تدرك إن كانت جدران منزلها أم لا. أول من اتصلت به بعد الصدمة كان شوقي الذي لم يكن قد سمع بما حصل بعد.

بعد هذه التجربة المرة والتي أشعرتها بالخوف من خسارة الرجل الذي تحبه، اتخذت ليليان قراراً بالزواج منه مهما كانت العواقب، "لا أملك سوى حياة واحدة، أريد أن أعيشها مع حبيبي". 

"لا أملك سوى حياة واحدة، أريد أن أعيشها مع حبيبي".

تهدّم المنزل قبل أن يتزوجا

"تدمر منزل الزوجية، الذي وضعت فيه كامل عمري ورغباتي، وربما خسرت التي أحبها بسبب ذلك، فكيف سنفكر بالزواج الآن؟"، يقول علي (32 سنة) واصفاً ما حرقة قلبه بعدما دمر الزلزال المنزل الذي كان يجهزه ليؤسس عائلة فيه.

علي خريج كلية الحقوق في جامعة دمشق، ويعمل في إحدى المؤسسات الحكومية في اللاذقية، أحبّ نينا (29 سنة) منذ كانا في المدرسة، ونجحت قصة حبهما في الصمود ولم يهزمها الوقت، لكن الفقر والمنزل المدمر سجلا ذلك الانتصار اليوم.

يعيش علي مع عائلته (أم وأب و3 أخوات) في إحدى ضواحي مدينة اللاذقية.

كان جلّ ما تملكه العائلة قطعة أرض صغيرة في قريتهم في منطقة صلنفة السياحية، كانوا قد باعوها واشتروا بثمنها منزلاً على العظم في إحدى ضواحي اللاذقية، ليواظب علي على تجهيزه شيئاً فشيئاً سواء من عمل إضافي، أو من مساعدة أحد أصدقائه المغتربين، لكن المنزل تهاوى وأصبح ركاماً اليوم، بعد زلزال 6 شباط.

يحكي علي كيف أنه كان يوفر المال حتى في لقائه مع حبيبته، فيختاران أن يلتقيا في الحديقة، مع كوبين من قهوة الباعة الجوالين، وكيف اختصر الهدايا إلى وردة يسرقها من أمام أحد المنازل، وقد طاول التقنين المحادثات التلفونية، ليتمكن الطرفان من تحقيق حلم الزواج.

لا يمانع والدا نينا زواجهما، لكنهما يرفضان أن تقيم ابنتهما في منزل العائلة، وشرطهما الوحيد كان تأمين منزل مستقل، لذا عملت نينا على مساعدة علي في تجهيز المنزل بالسر، فكانت تدخر المال، وتحرم نفسها من الملابس وغير ذلك، ليصبح المنزل جاهزاً ويتحقق حلمهما.

تقول نينا، إنها لا تدري كيف تهوّن على علي وعلى نفسها هذا المصاب، ولم تتحدث مع أهلها عن مصير العلاقة، رغم تبادل الزيارات بين الطرفين، عائلتها وعائلة علي، فهي متأكدة من حكم والدتها بما يخص الزواج في بيت مستقل.

وتضيف الشابة العشرينية، أنه لم يتبق لهما سوى خيارين اثنين، إما الزواج رغماً عن أهلها، أو البحث عن منزل للاستئجار، وهو ما سيكون مكلفاً جداً.

لا تخفي نينا خوفها الكبير، لا سيما أن الكثير من أصدقائها يعيشون المعاناة ذاتها، فصديقتها جود خسرت حياتها نتيجة قصة حب عاشتها حين دراستها في دمشق، انتهت بموت الشابة في طريق اللجوء، بعدما قررت إقناع أهلها بسفرها بحثاً عن حياة أفضل، بينما كانت الشابة تريد الهرب من "فضيحة" محتملة بسبب إقامتها علاقة جنسية مع حبيبها، الذي طُلب للقتال وانتهى به المطاف مقعداً في منزل أهله، ومع كل توسلاتها رفض أهلها زواجهما.

تضيف نينا التي تمتلك ألف حكاية وحكاية كما تقول، أنها حقاً تحب علي، وحقاً تريده، وتريد التغلب على الفقر والمضي قدماً، إن استطاعت إقناع أهلها.

هكذا تستمر حكايات الزلزال الأليمة ويواصل حصد الضحايا تحت الركام وفوق الأرض… هكذا سيكون على ليليان وشوقي، وعلي ونينا، انتظار مصير مجهول في ظل ظروف الحرب واللجوء والفقر. فالزلزال الذي أطاح بحياة أكثر من 41 ألف شخص بين سوريا وتركيا، أطاح أيضاً بأحلام صغيرة، كأن يتزوج حبيبان ويعيشان بسعادة.