زلزال 6 شباط يعيد مرض الكوليرا إلى الواجهة من جديد
لجين حاج يوسف
تتجدد المخاوف من انتشار الكوليرا في سوريا على نطاق أوسع بعد الزلزال الذي ضرب البلاد في الـ6 من شباط، خصوصاً في المناطق التي تعرضت للزلزال، بسبب تجمع العديد من المتضررين في مراكز إيواء بأعداد ضخمة وعدم توفر المياه النظيفة، واضطرارهم الاعتماد على مصادر مائية غير آمنة.
ويعد ظهور مرض الكوليرا تحد جديد في سوريا هذه الأيام مع الوضع الكارثي الذي تعيشه البلاد بعد الزلزال.
الإنذار الأعلى لانتشار المرض، يظهر جلياً في مناطق شمال غرب سوريا مع عدم وصول اللقاحات إلى المدنيين قبل الزلزال.
وحذرت منظمة الصحة العالمية من انتشار المرض بسبب تضرر شبكات الصرف الصحي و التخوف من استهلاك المدنيين لمياه غير نظيفة.
قبل الزلزال
أعلنت اليونيسف رسمياُ عن تفشي مرض الكوليرا في سوريا في الـ 10 من شهر أيلول / سبتمبر 2022.
وأكدت منظمة الصحة العالمية بعدها عن انتشار المرض في 14 محافظة في البلاد، وأن الوضع ينذر بالخطر في نهاية العام الماضي.
في الـ 18 من شهر كانون الثاني/ يناير 2023، أعلنت الأمم المتحدة تسجيل 77 ألف حالة مشتبه بإصابته بالكوليرا، ووفاة 100 شخص، بسبب تفشي الكوليرا في أنحاء سوريا منذ الصيف الماضي، بينما تزداد المعاناة بين سكان المخيمات في شمال البلاد.
ولفتت اليونيسيف أن المرض ينتشر في المخيمات التي تأوي النازحين داخلياً.
وأفادت منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن 100 شخص توفوا نتيجة الإصابة بمرض الكوليرا في سوريا، وذلك منذ إعلان تفشي المرض في آب / أغسطس الماضي.
ورغم كل هذه التحذيرات، لم تصل اللقاحات للمتضررين الأشد في سوريا.
مع تأكيدات منسقو الاستجابة في سوريا غياب المياه النظيفة والصالحة للشرب عن 47 % من مخيمات النازحين، حيث وصلت أعداد المخيمات غير المخدمة بالمياه أكثر من 658 مخيماً.
الدفعة الأولى من لقاحات الكوليرا وصلت قبل الزلزال بأسبوعين تقريباً، ولكن المعلومات التي حصلنا عليها تؤكد عدم توزيعها حتى الآن وتم نقل اللقاحات لمستودعات فريق لقاح سوريا.
في تصريح خاص لروزنة من عبدالرزاق الخليل مسؤول الإعلام في فريق لقاح سوريا، قال : " لم يتأخر فريق اللقاح في تنفيذ الحملة إنما كان من المقرر تنفذها بعد حملة لقاح الحصبة والحصبة الالمانية وبسبب تعثر بعض لوجستيات حملة الحصبة تم تأجيل حملة الحصبة لبعد حملة لقاح الكوليرا اذا كان من المقرر تنفيذ حملة الكوليرا بنهاية شهر شباط الجاري".
وحسسب كلام الخليل، سوف يتم تنفيذ حملة لقاح الكوليرا في شمال غرب سوريا في السابع من الشهر آذار في مناطق (معرتمصرين وسرمدا وأطمة وحارم والدانا وناحية اعزاز)، عبر فرق جوالة لتأمين وصول اللقاح إلى المنازل، والخيام والتجمعات السكنية، لتنفيذ هذه الحملة.
ما يعني أن تنفيذ الحملة سيتأخر لمدة نحو شهر، رغم كل هذه التعقيدات الصحية.
وبيّن الخليل في حديثه أن حدوث الزلزال أجل تنفيذ الحملة لمدة أسبوع عن موعدها الأساسي حتى استقرار الأهالي في منازلهم، ومراكز الإيواء سوف تستمر الحملة لمدة عشر أيام ولغاية تاريخ الثامن عشر من شهر آذار القادم.
بالمقابل أكدت وزارة الصحة بدمشق في نهاية شهر تشرين الثاني من العام الماضي تسلمها نحو مليوني جرعة لقاح فموي مُخصّصة لمكافحة مرض الكوليرا، مقدمة من كل من منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
كما تسلمت نحو 60 طنا من مجموعات أدوات الكوليرا، وقامت بعدة حملات تلقيح في عدة مناطق داخل سيطرة حكومة النظام السوري.
الوضع كارثي بعد الزلزال
معظم مراكز الإيواء في سوريا، إما مدارس أو ملاعب رياضية أو مساجد، أو خيم موزع في العراء، وهي مناطق مهيأة لينتشر فيها مرض الكوليرا مجدداً.
ولا تشكل الكوليرا وحدها التحدي الطبي الوحيد، فمراكز التجمعات غير المجهزة هي واحدة من أكثر البيئات التي تنتقل فيها الأمراض والأوبئة، خصوصاً مع انتشار الانفلونزا وفيروس كوفيد_19، إضافة للصدمة النفسية جراء الزلزال وتوابعه، وخسارات الأرواح والمنازل والتشرد.
تعتبر الحالة الآن في معظم المخيمات وتجمعات المتضررين في شمال غرب سوريا حالة طارئة، ويمكن أن يستمر وصول المياه بعبوات ضمن قوافل الإغاثة، ولكن مع طول مدة بقاء هؤلاء المتضررين في هذه المراكز، سيجدون أنفسهم مضطرين مع الوقت إلى شراء المياه من الصهاريج كحال باقي المخيمات في الشمال السوري.
وأعلنت منظمة منسقو الاستجابة في سوريا أن هناك ما يعادل 7,122 عائلة موزعين على 172 مركز منتشرة في إدلب وريف حلب، وأعداد النازحين الموثقين حتى اليوم العاشر من جراء الزلزال وصل إلى 171,843 نسمة مع استمرار الإحصاء.
ولا تزال فرق الإنقاذ حتى اليوم تحاول انتشال الضحايا من تحت الأنقاض في معظم المناطق المتضررة من سوريا، ولم تصل إلى أرقام أو إحصائيات نهائية للضحايا.
مشاهد انقاذ ضحايا الزلزال في سرمدا
مشاهد انقاذ ضحايا الزلزال في سرمدا
وليس بعيداً عن الشمال الغربي، فإن مراسل روزنة في مدينة اللاذقية يؤكد بأن الملاعب والصالات الرياضية في المحافظة تعاني من قلة نظافة وفوضى، وغياب أي تعليمات سلامة أو تعليمات للنظافة العامة، ولكن الفرق الإغاثية تقدم مياه الشرب المعبأة في عبوات خاصة في بعض المراكز، والبعض الآخر يتم تعبئته في خزانات أماكن التجمع عبر صهاريج.
وعبرت الدكتورة إيمان الشنقيطي من منظمة الصحة العالمية في تصريحات اعلامية، عن قلق المنظمة إزاء ارتفاع حالات الإصابة بالكوليرا في البلاد، يمكن للنهج المنسق من جانب الحكومة والشركاء والمجتمعات المحلية السيطرة على هذه الفاشية.
يعاني القطاع الطبي في سوريا من تحديات نقص التمويل، والهجرة الكبيرة للأطباء والممرضين خارج البلاد، وارتفاع أجور العناية الطبية، وتراجع في مستوى خدمات المرافق الطبية بسبب دمار ما نسبته 30 بالمئة من المشافي والمراكز الصحية خلال الحرب التي استمرت نحو 10 سنوات.
ومن المتوقع في ظل هذه الظروف ارتفاع مخاطر انتشار الآفات الجلدية، والالتهابات التنفسية الحادة ، والطفيليات والتهابات المعدة، والالتهابات التناسلية والتهابات الجهاز البولي، إضافة إلى سوء التغذية والجروح الملتهبة والخراجات، ومضاعفات الحمل والحالات المزمنة التي تركت بدون علاج واضطراب ما بعد الصدمة.
ولاتزال للآن عمليات التأهيل، وإزالة الأنقاض مستمرة وسط دمار كبير، فالزالزالين الذين ضرب جنوب تركيا و شمال غرب سوريا في الـ 6 من شهر شباط /فبراير الجاري بلغت قوة الأول 7.7 درجة، أعقبه آخر بعد ساعات بقوة 7.6 درجة وإضافة لهزات ارتدادية العنيفة لم تنته حتى ساعة إعداد التقرير، ما خلف خسائر كبيرة بالأرواح والممتلكات في البلدين.
ويزداد الأمر صعوبة على المواطنين اليوم في الوصول للرعاية الصحية مع استنفار جميع الطواقم الطبية لمعالجة ضحايا الزلزال.
