هل أضاع الأسد فرصة تحسين الواقع الاقتصادي السوري؟
قبل نحو أسبوعين ظهر بشار الأسد في مقابلة هي الأولى عربياً مع قناة "سكاي نيوز"، معلناً فيها انسحابه من مقررات القمة العربية الثانية والثلاثين، والتي أقيمت في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية.
وقال في لقائه التلفزيوني:"إنه منذ تكوين وعيه السياسي فإن العلاقات العربية هي علاقات شكلية"، وهو ما يندرج على شكل العلاقة مع سوريا حسب ما قال.
دعوة سوريا إلى قمة الرياض 2023 جاءت بعد وقوع زلزال 6 شباط، حيث فُتحت مع سوريا عدد من قنوات التواصل الدولية العربية والغربية، كالأردن ومصر والسعودية.
الخطوات العربية من قبل الإمارات والسعودية وسلطنة عمان تسارعت خلال شهري نيسان وأيار، وشهدت خلالها تلك الفترة عقد لقاءات واجتماعات واتفاقات مع عدد من الدول العربية، إلا أن وتيرتها انخفضت بعد ذلك.
وخلال أقل من 5 أشهر تهاوت قيمة الليرة السورية من 6650 للدولار الواحد، إلى 8550 ليرة سورية يوم عقدت القمة العربية، لتعود وتنهار من جديد حتى وصل سعر صرف الليرة السورية اليوم إلى 14 ألف ليرة مقابل الدولار الأمريكي.
زيارات من البوابة الإنسانية
بعد وقوع الكارثة، مباشرة، تدخلت لبنان والإمارات والجزائر عبر إرسال فرق إنقاذ لانتشال الضحايا بعد فشل الأجهزة المحلية.
وفي 15 شباط، أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي زيارة كانت الأولى لوزير خارجية أردني منذ عام 2011، والتي وصفها مسؤولون أردنيون بأنها "تهدف إلى إظهار التضامن بعد الزلزال"، و"ستركز على الاحتياجات الإنسانية وكيفية مساهمة الأردن"، وفق ما ذكر موقع "dw".
ووصل وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى دمشق، 28 شباط، في أول زيارة لوزير خارجية مصري منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، حيث نشرت الصفحة الرسمية للخارجية المصرية على "فيسبوك" أنها تهدف إلى "نقل رسالة تضامن عقب كارثة الزلزال".
زيارات عربية للمرة الأولى
أول زيارة أجراها بشار الأسد إلى سلطنة عُمان، كانت بعد نحو أسبوع فقط من وقوع زلزال الـ 6 من شباط، ومن هناك كانت بداية الزيارات إلى الدول العربية بعد 11 عاماً من القطيعة.
والزيارة الأهم كانت تلبية لدعوة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لبشار الأسد في الـ19 من شهر آذار، سبقتها زيارة لموسكو قبل أسبوع.
بعد ذلك، وفي زيارة وصفت بـ"المفاجئة" وصل وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى جدة السعودية في 12 نيسان، بدعوة من نظيره السعودي فيصل بن فرحان، وذلك لأول مرة بعد توتر العلاقات بين البلدين واتهامات دمشق للرياض بأنها تدعم الفصائل العسكرية المعارضة، وتراشق الخطب والاتهامات في مجلس الأمن خلال السنوات الماضية.
وبحسب وكالة الأنباء السعودية، فقد بحث الجانبان "الخطوات اللازمة لتحقيق تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية تنهي كافة تداعياتها، وتحقق المصالحة الوطنية، وتسهم في عودة سوريا إلى محيطها العربي".
وجاءت بعدها زيارة "حركة حماس" الفلسطينية، والتي أرسلت وفداً إلى دمشق، مطلع آذار الماضي، برئاسة خليل الحية، عضو المكتب السياسي للحركة، التقى خلالها برئيس النظام السوري بشار الأسد، وفق ما ذكرت وكالة سبوتنيك.
أتت هذه الزيارة بعد قطيعة طويلة، حيث اتخذت قيادة حماس آنذاك موقفاً مسانداً للثورة السورية.
كما استقبل بشار الأسد في 18 نيسان فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية السعودية، في دمشق.
مصدر الصورة وكالة الأنباء السعودية
مصدر الصورة وكالة الأنباء السعودية
لقاءات واتفاقات
خلال الجولات السياسية النشطة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، عقدت عدة لقاءات موازية، شكلت البداية لعودة النظام السوري إلى الجامعة العربية، بعد تجميد عضويتها لعدة سنوات على إثر اعتراضها لسلوك الأسد في مواجهة مناهضيه.
تمحورت تلك الاجتماعات حول الخطوات المتبادلة لعودة سوريا إلى المحيط العربي، وفق ما ذكر موقع "المجلة"، في تقرير حول المبادرة الأردنية "خطوة مقابل خطوة".
وعقد وزراء الخارجية في دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى كل من مصر والعراق اجتماعاً تشاورياً في جدة السعودية، 14 نيسان، ناقشوا خلاله عودة سوريا إلى الجامعة العربية.
ونشرت وزارة الخارجية السعودية بياناً، عقب الاجتماع، أوضحت فيه أن الوزراء "تبادلوا وجهات النظر حول الجهود المبذولة لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، ينهي كافة تداعياتها ويحافظ على وحدة سوريا، ويعيدها إلى محيطها العربي"، وذلك بعد تعليق الجامعة العربية لعضويتها في تشرين الثاني 2011.
تلا هذا الاجتماع اجتماع خماسي في عمان 2 أيار، ضم كلاً من وزراء خارجية النظام السوري والأردن والسعودية ومصر والعراق، والذي قال عنه وزير الخارجية الأردني، في مؤتمر صحفي، إنه يهدف إلى إنهاء الأزمة السورية وفق المبادرة الأردنية والتي تقوم على مبدأ خطوة مقابل خطوة.
وأشار الصفدي إلى اتفاق المجتمعين على تشكيل فريق فني على مستوى الخبراء، لمتابعة مخرجات الاجتماع، وتحديد الخطوات القادمة في سياق المسار الذي يستهدف معالجة حل الأزمة السورية، ومعالجة جميع تداعياتها.
المبادرة العربية حملت في أولوياتها تطبيق القرار الدولي رقم 2254، والعمل على وقف إنتاج المخدرات ومنع عبورها للحدود الدولية.
وذكر بيان صادر عن الخارجية الأردنية، نقلته وكالة "بترا" للأنباء، أنه تم الاتفاق على تشكيل فريقي عمل من السياسيين والأمنيين خلال شهر، لتحديد مصادر إنتاج المخدرات وتهريبها، والجهات التي تدير عمليات تهريبها عبر الأردن.
وبحسب تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية فإن النظام السوري رفض تقديم أية تنازلات خلال الاجتماع الخماسي.
نصر إعلامي للأسد؟
انتهت سلسلة اللقاءات التمهيدية لعودة سوريا إلى الجامعة العربية بحضور بشار الأسد جدول أعمال القمة في مدينة جدة، 19 أيار، وذلك بعد مغادرة أمير قطر تميم بن حمد مؤتمر القمة، وتحفظ كويتي.
وقال الأسد في خطابه الذي وصفته وسائل إعلامه بأنه "نصر كبير"، إن العمل العربي المشترك بحاجة لرؤى واستراتيجيات وأهداف مشتركة "عندها ستكون الجامعة متنفساً في حال الحصار لا شريكا به، ملجأ من العدوان لا منصة له".
حملات إعلامية أطلقتها وسائل إعلام النظام والمقربة منه كصحيفة "الوطن" التي وصفت حضور الأسد في قمة جدة بـ"النصر العظيم".
مستشارة الأسد بثينة شعبان قالت إن حضور الأسد القمة العربية في جدة، "ليس فقط إعلاناً عن انتصار سوريا، وإنما أيضاً إعلان عن فشل مخططات كبيرة ممولة من قبل أعتى القوى في العالم" وفق وكالة سبوتنيك الروسية.
في تلك الأثناء كان سعر صرف الدولار قد وصل إلى 9711 ليرة سورية.
بعد ذلك، انتشرت صور لزيارة فيصل المقداد إلى مقر السفارة السورية في السعودية. ولكن كل شيء توقف مع رفض النظام تطبيق المبادرة والتي أعلنها الأسد في لقائه مع قناة "سكاي نيوز".
وفي تقرير نشرته صحيفة "القدس العربي"، نقلت عن مراقبين أن "سبب جمود التطبيع العربي يعود لعدم تنفيذ دمشق بنود المبادرة العربية التي قادتها السعودية والأردن بشكل خاص، ولم يفِ الأسد بوعده فيما يخص تهريب المخدرات وتوقيف تصنيعها، ولم يلتزم بالحل السياسي واعتبر نفسه منتصراً، وعلى المعارضة أن تنصاع له".
وكان فيصل المقداد نفى وبشكل رسمي أي نقاش بخصوص مبادرة الخطوة بخطوة.
ولكن يبدو أن النظام السوري يلتزم فقط خلال الاجتماعات الرسمية، وآخرها في الـ 15 من شهر آب الجاري، والذي عقد في مدينة القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية بدعوة من سامح شكري رئيس الجامعة العربية تنفيذاً لقرار مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة رقم 822 بتاريخ 19 مايو/أيار 2023، وهو الاجتماع الدوري للجنة الخماسية والمخصصة أعمالها لمراقبة تنفيذ بيان عمان في الأول من شهر أيار الجاري، حيث انتهى الاجتماع بالتركيز على النقاط التالية:
ـ توفير الحوافز والتسهيلات التي ستقدم للاجئين العائدين والإجراءات التنسيقية مع الدول المستضيفة لهم.
ـ العمل على إنشاء منصة لتسجيل أسماء اللاجئين الراغبين بالعودة بالتنسيق مع الدول المستضيفة وهيئات الأمم المتحدة ذات الصلة.
ـ أن توفر الحكومة السورية المعلومات عن احتياجات المناطق التي ستشهد عودة للاجئين إليها.
وبقي الحراك العربي رسمياً يدور في فلك تنفيذ خطوات المبادرة العربية التي تنصل منها بشار الأسد وفيصل المقداد إعلامياً. ورغم زيارة المقداد في الـ12 من حزيران لمقر السفارة السورية في الرياض، والوعود بفتح السفارة في أسرع وقت لكن لم يحصل هناك أي تغيير.
في الأثناء نقلت تقارير إعلامية عن حصول خلافات بين الأسد والدول العربية بسبب عدم تطبيق بنود المبادرة العربية، ما دفع الأخيرة للانكماش عن تقديم أية مساعدات.
ولكن توقف الحراك العربي كما بدأ، والتحرك السياسي الوحيد كان زيارة فيصل المقداد إلى مصر والتوافق على استكمال جولات للجان الدستورية ونقلها من جنيف إلى سلطنة عمان، وهو أمر لم تصدر حوله المعارضة أي تعليق.
فيما يبدو أنه تنفيذ لرغبة موسكو، والتي جاءت على لسان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين في الـ 17 من تموز 2022. وقال المسؤول الروسي: "لسوء الحظ، نعلن اليوم أن برنامج جنيف يفقد إلى حد كبير قدرته على توفير أكثر الظروف ملائمة وحيادية لعمل هذا المنتدى، اللجنة الدستورية السورية".
وفي تطورات اللجنة الدستورية، تحدث كل من سامح شكري رئيس الجامعة العربية وغير بيدرسون المبعوث الأممي إلى سوريا في اتصال هاتفي عن نتائج اجتماع اللجنة الخماسية والتي أشارت إلى عقد جلسات اللجنة الدستورية في عُمان، على أن يلتقيا في شهر أيلول القادم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتلاها اجتماع في الـ 27 من شهر آب الجاري جرى بين مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية القطرية نايف بن عبدالله العمادي، مع نائبة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا نجاة رشدي.
استمرار التدهور الاقتصادي
قبل وقوع الزلزال وصل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي إلى 6650، أما اليوم فيبلغ سعر الصرف 14 ألف ليرة سورية، أي أنه ارتفع بنسبة مئوية تتجاوز الضعف.
نشرت صحيفة "الوطن" المحلية طيلة الفترة اللاحقة لوقوع الزلزال أخباراً عن قدوم طائرات إماراتية تحمل مساعدات إنسانية عينية للمتضررين من الزلزال، وبشكل مستمر، إضافة إلى مساعدات مقدمة من دول أخرى كالباكستان والهند والصين وروسيا وإيران والأردن والجزائر.
ونقلت "BBC" اتهامات وجهها نشطاء ومتطوعون في الداخل للنظام السوري، بعرقلة و"سرقة" المساعدات الإنسانية، وعدم إيصالها إلى محتاجيها.
بعد عودة الأسد من القمة العربية صدرت عدة مراسيم تتضمن رفع رواتب شهرية وتخفيض في ضريبة الدخل. ورغم هذه الزيادات لم يتجاوز راتب الموظف الشهري العامل في قطاع الدولة الـ 20 دولاراً.
ترافق مع هذه المبادرات العربية قيام الاتحاد الأوروبي بتمديد رفع العقوبات عن بعض القطاعات حتى عام 2024، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية جمدت عقوباتها المفروضة على النظام السوري، والمتعلقة بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، لمدة ستة أشهر من تاريخ الزلزال.
كم هو حجم الأموال التي حصل عليها الأسد بعد الزلزال؟
قدمت دولة الإمارات 50 مليون دولار لإغاثة المتضررين من الزلزال في سوريا. أما المملكة العربية السعودية وعبر مركز الملك سلمان وتحت عنوان "عطاؤكم يخفف من معاناتهم" فقد وصل مجموع التبرعات عبر الحملة نحو 523,622,892 مليون تبرع بها أكثر من 3 ملايين سعودي، وقدمت المساعدات عبر جسر جوي.
صورة لاحدى محتويات حاوية مساعدات أرسلت من السعودية للناجين من زلزال 6 شباط - حملة عطاؤكم يخفف من معاناتهم
أما الكويت ومصر والبحرين وسلطنة عمان فقد قدمت مساعداتها على شكل سلل إغاثية ومساعدات خيام و بطانيات.
ولكن كل هذه المبالغ والمساعدات التي قدمت احتفظت بها كل من مؤسسة العرين والأمانة السورية للتنمية، والتي تشرف عليهما أسماء الأسد.
ولكن السوريين فوجئوا بعد فترة بظهور آثار لبعض المساعدات وقد أتلفت بسبب سوء التخزين في مدينة اللاذقية. فيما لا يزال الكثيرون من الذين هدمت منازلهم جراء الزلزال من دون منازل أو حتى المساكن المؤقتة التي وعدوا بها من قبل الحكومة وتعهدت دول أخرى بإنجازها لهم.
بداية حراك مجتمعي
استياء المجتمع السوري من سوء الخدمات الحكومية، وارتفاع سعر صرف الدولار، ورفع الدعم الحكومي عن المحروقات، ما رفع سعرها، دفع بالكثيرين من المواطنين السوريين إلى رفع مستوى الاحتجاجات.
مدينة السويداء منتفضة ضد النظام السوري منذ بداية الحراك الشعبي عام 2011، ولكن هذه الاحتجاجات ارتفعت بمطالبها إلى حد تطبيق القرار الدولي 2254، وضرورة تحقيق انتقال سياسي من أجل تحسين الأوضاع.
ولكن اللافت هذه المرة هو ظهور شخصيات مدنية من مدينة اللاذقية تحتج عبر منصات التواصل الاجتماعي بشكل مباشر ضد الأسد، إلا أن الأجهزة الأمنية قامت على الأقل باعتقال شخصين ممن نادوا بتغيير النظام السوري، حسب ما تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولكن ومع هذه الزيادات ارتفع سعر ليتر البنزين (أوكتان 95) إلى 14700 ليرة سورية، وسعر ليتر المازوت إلى 12800 ليرة سورية، مع استمرار قطع الكهرباء لتزيد عن الـ 4 -6 ساعات ضمن نظام التقنين.
كل هذا الحراك السياسي لم يترافق مع اي مشاريع معلنة لتحسين اي واقع اقتصادي داخل البلاد، فقط تضييق اقتصادي مع ازالة الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات بشكل تدريجي، وعادت العلاقات العربية إلى واقعها الشكلي كما وصفها الأسد.
كان نحو 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، حسب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، في جلسة لمجلس الأمن في عام 2021، عندما كان سعر الدولار 3470 ليرة سورية، أي قبل انهيار سعر الليرة لأكثر من 10 آلاف ليرة سورية.

