التوحد في سوريا.. عن الحياة تحت ظل طيف الأحلام الأزرق!

أحمد خضور

"لم تقتلني الحرب ولا الجوع ولا الفقر، حالة ابني وصعوبة اندماجه مع رفاقه في المدرسة هو مايصعب عليّ الحياة في سوريا اليوم"، تصف ريم معاناتها مع ما يواجهه ابنها جود (8 سنوات) المصاب بـ"اضطراب طيف التوحّد" منذ أربع سنوات.

في سوريا تختلف الهموم رغم تشابهها، كثيرون يشكون الفقر والجوع وبنسبة 90 بالمئة من السوريين، بينما البعض الآخر يعانون إضافة لذلك من إصابة أبنائهم وأحبائهم باضطرابات، مثل ريم وابنها جود.

تعاني العائلات المصاب أحد أطفالها بـ"اضطراب طيف التوحد" من عدم وعي المجتمع المحيط به، وصعوبة اندماج الطفل مع الآخرين، وعدم تقبل الآخرين له، في ظل قلة عدد المختصين النفسيين، بحسب تقارير إعلامية.

"المديرة طالبت بتغيير تصرّف ابني"

تلقيتُ اتصالاً من روضة ابني يشكون "سوء تصرفاته، وانعزاله عن الأطفال وعدم لعبه معهم وعدوانيته"، تتحدّث ريتا لروزنة بحرقة وقهر، وهي والدة لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات.

هرعت ريتا لروضة طفلها، لتنذرها المديرة: "إن لم تتغيّر تصرفات ابنك لن يستمر وجوده في الروضة".

لم يخطر ببال ريتا أن يكون طفلها يعاني من أي مشكلة صحية، ولكنها توقعت أن يعاني من مشكلات في الاختلاط مع أقرانه بحكم عدم وجود أطفال في العائلة. 

راقبت طفلها لفترة وبحثت عبر الانترنت، ومن ثم ذهبت إلى طبيب أطفال لمعرفة ما إذا كان طفلها يعاني من أي مشكلة، نصحها الطبيب بمراجعة طبيب مختص باضطرابات التطورعند الأطفال.

حسب ريتا وبعد استشاراتها لعدة اختصاصيين، تبيّن أن طفلها يعاني من "طيف التوحد" بدرجة متوسطة، وبالتعاون مع الاختصاصيين استطاعت أن تسيطر على انفعالات طفلها وتوجهه.

"لا وعي باضطراب التوحد"

روان، خريجة رياض أطفال ومختصة في اضطرابات التطور عند الأطفال، تقول إن مشكلات التعامل مع "اضطراب طيف التوحد" في سوريا ليست عائدة للحرب، ولكن عدم وعي المجتمع السوري لهذا الاضطراب.

وتشير في حديثها إلى روزنة، إلى عدم وجود ضوابط وفعاليات حكومية حقيقية أو منظمات مجتمع مدني تدعم هؤلاء الأطفال، إضافة لعدم وجود وفرة من الخبراء في هذا اضطراب التوحّد.

وفق روان، التي فضلت عدم ذكر اسمها كاملاً، هناك الكثير من الجمعيات التي تهتم بالأطفال، لكنها ليست مختصة حصراً بأطفال التوحد.

وتضيف: "دائماً ماتوصف مراكز الجمعيات بأنها تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا خطأ كبير يزعج أهالي الأطفال ويجعل الأهالي مترددين وخائفين من قصد مثل هكذا مراكز".

وتلف روان: "ليس بالضرورة أن يكون طفل طيف التوحد لديه إعاقة ذهنية وبنفس الوقت ليس ذكياً، وإنما هو طفل كغيره من الأطفال، في حال نفينا الأسباب العضوية لإصابته".

قد يحتاج الطفل إلى اهتمام زائد وتوجيه لقدراته أو تطويرها وأسلوب تعامل مختلف عن أقرانه، هنالك كثير من الأنشطة الرياضية التي يستطيع طفل طيف التوحد تعلمها كالسباحة وركوب الخيل، تختم روان.

ما هي اضطرابات طيف التوحد؟

اضطرابات طيف التوحد، هي الحالات التي يواجه فيها الأشخاص صعوبة في تطوير العلاقات الاجتماعية العادية، أو استخدام اللغة بشكل طبيعي.

ويواجه المصابون بذلك الاضطراب صعوبة في التواصل مع الآخرين والارتباط بهم، ويتميزون بأنماط سلوكية واهتمامات وأنشطة محدودة.

وغالباً ما يتبعون روتيناً صارماً في حياتهم، تقول لروزنة الطبيبة، عبير، اختصاصية في التعامل مع اضطرابات التطور الروحي الحركي عند الأطفال.

ومع تطوّر الطب المستمر والأبحاث العلمية والدراسات التي تهدف لاكتشاف علاجات لكل الأمراض تغيّر تعريف اضطراب التوحد، وتغيرت سبل تشخيصه، وأطلق عليه "اضطرابات طيف التوحد" بدلاً من "مرض التوحد"، وفق عبير.

وتوضح عبير أنّ هنالك تعريف جديد للتوحد وهو "اضطرابات طيف التوحد"، سابقاً كان يصنف التوحد في خمسة أنواع: "التوحد التقليدي، ومتلازمة اسبرجر، ومتلازمة ريت، والاضطراب التحللي الطفولي، واضطراب الارتقاء المنتشر". 

حالياً الأطباء لا يستخدمون هذه المصطلحات، ويطلقون على جميع أنواع التوحد اسم اضطرابات طيف التوحد (autism spectrum disorders) (ASD) (باستثناء متلازمة ريت، التي تعد اضطراباً وراثياً مميزاً).

هل المصابون التوحد معاقون ذهنياً؟

"لا نستطيع اعتبار المصابين باضطراب طيف التوحد، من ذوي الإعاقة ذهنية، رغم معاناة قسم كبير من مرضى اضطراب طيف التوحد من الإعاقة الذهنية"، توضح الطبيبة عبير.

ولتحديد درجة "طيف التوحد" الذي يعاني من الطفل، وضع الأطباء مقياساً معتمداً على استقصاءات واستجوابات للأهل ومراقبة للطفل.

 ويصاب الذكور أكثر من الإناث بأربع أضعاف، وتحصل هذه الاضطرابات بمعدل حالة لكل 59 شخصاً عالمياً.

أسباب الإصابة بالتوحد

تقول الطبيبة عبير، "حتى اللحظة لا توجد أسباب بيولوجية أو جينية أو وراثية محددة لإصابة الأطفال بطيف التوحد".

وتشير إلى أن هناك عوامل ترفع من احتمالات ولادة طفل مصاب بالتوحد، مثل وجود طفل مصاب بطيف التوحد في العائلة، أو "متلازمة داون" أو "متلازمة الصبغي x الهش"، أو أنواع العدوى قبل الولادة، مثل عدوى الحصبة الألمانية أو العدوى بالفيروس المضخم للخلايا أو نقص فيتامين (د) لدى الأم، وفي حالات أخرى قد تنجم الإصابة عن الإهمال الوالدي.

نقص في الاختصاصات النفسية

كثير من السوريين يبتعدون عن الاختصاصات النفسية، وهذا ماشكل حالياً نقصاً وعجزاً في تشخيص أطياف التوحد.

راما والدة لطفل في الثالثة من عمره، تقيم في إحدى دول الخليج، في زيارتها لأهلها وجدت مشكلة تواصل لدى ابنها فقررت عرضه على اختصاصية أطفال والتي جزمت لها أن طفلها يعاني حتماً من التوحد.

وللتأكّد من حالة طفلها قطعت راما إجازتها وعادت إلى الخليج: "عرضت طفلي على عدة اختصاصيين في طيف التوحد وجميعهم أكدوا لي أن طفلي يعاني من درجة بسيطة جداً من طيف التوحد وبمتابعة مستمرة سيكون موازياً لأقرانه". 

وكان مدير مشفى ابن سينا للأمراض العقلية بدمشق، الدكتور أيمن دعبول، قال في حديث لإذاعة "ميلودي إف إم" المحلية، في نيسان العام الفائت، إن عدد الاختصاصيين النفسيين في سوريا حالياً يبلغ 45 طبيباً فقط، في وقت تحتاج  البلد فيه إلى نحو 10 آلاف طبيب نفسي بالحد الأدنى.

نحو 70 بالمئة من العاملين في القطاع الصحي غادروا سوريا وباتت النسبة الآن هي "طبيب واحد لكل 10 آلاف سوري،  وفي محاولة لتعويض النقص، يضطر العاملون في هذا المجال إلى العمل أكثر من 80 ساعة في الأسبوع، وفق  تقرير لـ"لجنة الإنقاذ الدولية (IRC)" عام 2021.

أعراض طيف التوحد

عادة تكون أعراض طيف التوحد متباينة ومتفاوتة ويمثل كل شخص حالة خاصة.

الاختصاصي النفسي بسام حوراني، يقول لـ"روزنة": يفتقر الطفل المصاب بـ"اضطراب التوحد"، بشكل متدني إلى التواصل الاجتماعي والتواصل اللفظي وغير اللفظي، أو إقامة النشاطات والعلاقات.

ويفضل الطفل المصاب بـ"اضطراب التوحّد" أن يبقى وحيداً، كما لا يفضل اللعب مع أقرانه، ولا يتجاوب مع الوسط المحيط، إضافة إلى فقدان قدرته على نطق كلمات أو جمل محددة، ويرفض التواصل الجسدي.

ولفت إلى أن 75 بالمئة من الأطفال المصابين بـ"اضطراب التوحد" عندهم إعاقة فكرية، و25 في المئة عندهم ذكاء طبيعي أو فوق الطبيعي.

ويحتاج المصاب بالتوحد إلى رعاية خاصة من خلال مراكز متخصصة، تقدّم له أنظمة غذائية محددة، إضافة إلى علاجات دوائية ومتممات غذائية في حالات معيّنة كوجود فرط نشاط.

سلوكيات لتهدئة مريض طيف التوحد

تحدّثت روان عن بعض السلوكيات التي يمكن استخدامها  في تهدئة طفل طيف التوحد إذا واجه نوبة غضب شديدة، من خلال: "البحث في سبب المشكلة، سواء كان زحاماً شديدا، أو بسبب الوجود في مكان جديد، أو الضوضاء أو الضوء الشديد، ويجب الابتعاد عن أي من تلك المؤثرات".

يجب عدم إجبار الطفل على الوجود في المناطق المزدحمة المخيفة له.

 في حال كان الطفل يستجيب للعناق أو المؤثرات الحسية، يمكن عناقه بلطف، والتحكم في أطرافه (الذراعين والساقين).

توفير ألعاب تتحرك بشكل روتيني لتشتيت انتباهه عن سبب الغضب، مثل مشاهدة فيديو مفضل له، أو الضغط على لعبة مطاطية لامتصاص غضبه.

تمرير مشط أو فرشاة شعر على الذراعين أو الساقين، أو القيام بتدليك الساقين والذراعين بطريقة أفقية متكررة، والتأكيد على الطفل أنه آمن وبخير، ولن يتعرض لمكروه.

 احرص على وجود "بطانية" أو معطف أو سترة صدرية ثقيلة الوزن، فهذه الوسيلة تسهم في تهدئة طفل التوحد الغاضب، ويمكن الاكتفاء بملابس ثقيلة فقط.

ويحتفل العالم في الثاني من نيسان من كل عام في هذا بـ"يوم التوعية بالتوحد" في محاولة لتوعية الناس بهذا الاضطراب، وتم استخدام اللون الأزرق كرمز له.

ووفق المسؤولة عن ذوي الاحتياجات الخاصة في فرنسا، صوفي كلوزال: يرمز الأزرق إلى الأحلام والحياة، وهو لون مريح للأشخاص المصابين بالتوحد ولديهم اضطرابات في الحواس.

وسجلت المناطق التي تديرها حكومة دمشق في أول شهرين من العام الجاري، 978 حالة توحد وإعاقة ذهنية بين الأطفال، وفق ما قالت مسؤولة برنامج الصحة النفسية في وزارة الصحة، أمل شكو، لصحيفة "الوطن" المحلية في نيسان الفائت.

وفق شكو، عدد الحالات المسجلة سنوياً بازدياد مستمر خلال السنوات الماضية، حيث كان العدد في عام 2018 هو 1130 حالة،  تطور في عام 2019 إلى 3803 حالات، وزاد في عام 2021 إلى 4603 حالات، ثم ارتفع في العام الماضي إلى 5167 حالة.