زلزال في غرفة الولادة
"4 مستشفيات حتى أنجبت"
إيمان الحمراوي - باسكال صوما
قبل أيام من الولادة، كانت سمر (23 سنة) تستعد للاحتفال بمجيء مولودها إلى العالم، أعدّت الزينة والضيافة والطعام وجهاز الطفل.
كان كل شيء يبدو على ما يرام، اعتبرت سمر أنها بأمان أخيراً بعيداً من الحرب والقصف، فهي من بين 3 ملايين و762 ألف شخص سوري، عاشوا الحرب والقصف في بلادهم ولجأوا إلى تركيا، تهجّرت من مدينة حلب عام 2016، اعتقدت حينها أن الحياة داخل الخطر زمن مضى، إلا أن زلزال 6 شباط 2023 غيّر كل شيء.
ماذا حصل؟
"عند الرابعة والنصف من فجر الإثنين (6 شباط)، استيقظنا مرعوبين على أصوات اهتزاز الأثاث بسبب الزلزال الأول، ارتدينا ملابسنا مسرعين ونزلنا إلى سيارتنا".
سمر في الأسبوع الـ36 من الحمل، عاشت صدمتين، صدمة الزلزال وصدمة الولادة، تقول: "انفجر كيس الجنين (الكيس السلوي) من الفزع، لم أعرف ماذا أفعل فجراً من الصدمة، انتظرنا حتى طلوع الصباح، ومن ثم ذهبنا إلى مستشفى حكومي لألد فيه".
فوجئت سمر بأن الزلزال قلب كل شيء رأساً على عقب في المستشفى، "نساء يلدن في الممرات، غرف الولادة غير مؤهلة، يفصل بين السيدة والأخرى ستار لا أكثر، وبمجرد انزياحه يمكن أن تصبح المرأة مرئية ومكشوفة للجميع"، تصف سمر وضع المستشفى بعد حدوث الزلزال.
وتتابع: "حتى القطط داخل المستشفى كانت بين الأرجل، لا أدري سبب وجودها في تلك اللحظات العصيبة".
ذهبت سمر إلى مستشفى حكومي آخر، إلا أن وضعه لم يكن أفضل. اتصلت بطبيبتها وأخبرتها بأن وقت الولادة قد حان.
الجنين في خطر
بدأت نبضات قلب الجنين تخفُت شيئاً فشيئاً، أصبح في خطر، وكان عليها أن تلد بسرعة، إلا أنّ جسدها أبى أن يتجاوب مع الأدوية المساعدة والوسائل المحفّزة على فتح الرحم، فلجأت الطبيبة أخيراً إلى العملية القيصرية.
جهّزت الطبيبة سمر لإدخالها إلى غرفة العمليات، وبدأت بالاستعداد لإعطائها المخدّر.
بينما كان الأطباء يعملون لتوليد سمر، زلزال آخر من العيار الثقيل دفع كل من في الغرفة والمستشفى للهرب إلى الشارع.
"وجدت نفسي وحيدة مع جنيني بلباس العملية والسيروم معلّق في يدي، نزلت مسرعة من الغرفة إلى خارج المستشفى، والخوف يتملّك كل خلية فيني".
انتهى الزلزال الثاني، وعندما عادت الطبيبة أخبرتني أن عليّ الذهاب إلى مستشفى آخر، لأن بناء هذا المستشفى قديم وفي أي لحظة قد يتداعى علينا.
توجّهت سمر إلى مستشفى آخر، دخلت إلى غرفة العمليات وولدت ابنها بصحة جيدة، وصل "كرم" إلى العالم على وقع زلزالين هزا الأرض والبشرية.
"لا أعرف كيف نجوت بأعجوبة، تخيّلت لو أن الطبيب خدّرني وحدثت الهزة، ربما كنت من الأموات الآن"، تقول سمر باكية.
ما بعد الولادة؟!
كانت درجات الحرارة تحت الصفر، فيما كانت سمر تحتاج إلى رعاية وتدفئة بعد الولادة، وكان توفير ذلك رفاهية لا يستطيع الناجون من الزلزال إليها سبيلاً.
بعد حدوث الزلزال قطعت الحكومة المياه عن المدينة وحتى الغاز، باتت المنازل امتداداً للجليد الذي في الخارج، إلى جانب البيوت التي تدمرت تماماً ولم يعد ممكناً أن يعود ساكنوها إليها.
تقول سمر: "أخاف من العودة إلى المنزل ومن عودة الاهتزازات، وضعي الصحي لا يسمح لي بالركض أو الجري".
حالياً تقيم سمر وعائلتها في منزل قريبتها، الذي لم يصب بضرر. تحاول أن تتغلب على مخاوفها بعيد الكارثة التي تضاف إلى لائحة المصائب التي تلاحق السوريين منذ عام 2011.
والزلزال الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا بلغت قوته 7.7 درجة، وقد أعقبه آخر بعد ساعات بقوة 7.6 درجة ومئات الهزات الارتدادية العنيفة، ما خلف خسائر كبيرة بالأرواح والممتلكات في البلدين.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن 10 ولايات متضررة من الزلزال "مناطق منكوبة" ليطلق فيها حالة الطوارئ مدة 3 أشهر وفقاً للدستور. وحتى الآن، تجاوز عدد ضحايا الزلزال الـ35 ألفاً بين تركيا وسوريا.
