حكاية ما قبل الموت.. "سنذهب إلى الحديقة حين ينتهي كل شيء"
إيمان حمراوي - باسكال صوما
"حديقة خضراء واسعة، فيها أجمل الألعاب وأطيب الأطعمة، افتتحت حديثاً، أعدكِ بالذهاب إليها بعد أيام"، بهذه الصورة المتخيلة حاولت لمى (30 سنة) محو مشهد الزلزال العنيف العالق في رأس طفلتها التي لا تتجاوز السادسة.
تربّت على كتفها وتخبرها أن العالم ليس مكاناً سيئاً وأن كل شيء سيكون على ما يرام، تخبرها ذلك فيما تختبئان في إحدى مدارس غازي عينتاب، جنوب تركيا، والتي تحولت إلى ملجأ للناجين من زلزالي 6 شباط/ فبراير، والخائفين من ارتداداته.
لمى هي واحدة من بين أكثر من 3 ملايين و700 ألف سوري هجّرتهم الحرب في بلادهم وانتقلوا إلى تركيا بحثاً عن حياة أفضل. لم يخطر في بالها أن تلاحقها المآسي إلى هناك، وأن يكون الموت وشيكاً وقريباً منها ومن عائلتها، في تركيا أيضاً.
فلمى نجت من الحرب وتركت حلب عام 2012 نحو لبنان، قبل أن تستقر في تركيا وتعمل في مجال التعليم والصحافة، حاولت كل ما بوسعها لتصنع حياة هادئة مع طفلتيها وزوجها، إلا أن الخطر لاحقهما هذه المرة على شكل زلزال.
كفيلم رعب
تصف لمى اللحظات الأولى من الزلزال، في منزلها الكائن في الطبقة الرابعة من حي سكاني في غازي عينتاب.
"عند الرابعة والنصف فجراً، اهتز السرير فجأة، استيقظنا أنا وزوجي وابنتي الصغيرة، لم نُدرك في البداية ماذا يحدث، كل ما في المنزل يهتز بشدة حتى الحيطان والبناء، تحول المكان إلى أرجوحة تأخذنا يمنة ويسرى".
"بثوانٍ معدودة لبسنا ونزلنا حفاة إلى الشارع أسفل البناء، في تلك اللحظات كان المطر يهطل في ظل درجات حرارة منخفضة، تسارعت نبضاتُ قلبي من الخوف، انهرتُ فجأة بالبكاء، لم أتمالك نفسي، شعرت أن الموت كان قريباً منا".
شوارع مدينة غازي عنتاب التركية ليلة الزلزال
شوارع مدينة غازي عنتاب التركية ليلة الزلزال
لم تجد لمى وعائلتها مكاناً يأويهم، دوي صوت سيارات الإسعاف في كل مكان، الساحات والشوارع والحدائق كلها كانت تعج بمتضرري الزلزال، معظم من لديهم سيارات احتموا داخلها من المطر والبرد "كانت السيارة أكثر مكان آمن".
"وضعت ابنتي مع جارتي في سيارتهم لأحميها من برودة الطقس، وانتظرنا أمام المبنى نمعن النظر في ما حدث، ونفكّر في ما إذا كان الكابوس انتهى حقاً".
وجدت لمى وعائلتها مطعماً فتح أبوابه للناس في المنطقة، جلسوا فيه مع كثيرين بانتظار أن يعودوا قريباً إلى منازلهم.
وبحلول الساعة الـ 12 من ظهر يوم الإثنين، عادوا إلى المنزل، على أمل أن يكون قد انتهى الزلزال، لكن الخطر لم ينتهِ، فبحلول الواحدة والنصف عاد الكابوس بزلزال آخر: "هرعنا إلى الشارع حفاة، لكن هذه المرة كان الثلج يتساقط، لم أجد وعائلتي سوى المسجد لنذهب إليه، إلا أنه كان شديد البرودة، سمعت أن مدرسة ابنتي قد فتحت أبوابها أمام المتضرّرين، فلجأنا إليها وأمضينا فيها الليلة".
تجاوز عدد ضحايا الزلزالين العنيفين اللذين ضربا تركيا وسوريا نحو 25 ألفاً، مع مصابين بعشرات الآلاف وملايين المتضررين والمشردين.
الأبنية المدمرة في مدينة أنطاكيا التركية
الأبنية المدمرة في مدينة أنطاكيا التركية
تتابع لمى وفي عيونها تختلط مشاعر الألم والأسى والخوف، "صباح اليوم الثاني بعد الزلزال، خرج الجميع من المدرسة، بسبب انقطاع المياه، لم نجد سوى منزلنا لنعود إليه، المساجد مزدحمة وباردة جداً، والملاجئ الأخرى بعيدة، لذلك قررنا البقاء في المنزل".
عادت لمى وعائلتها إلى المنزل بينما كان كثيرون من سوريين وأتراك يحزمون أمتعتهم وأشياءهم للسفر إلى ولايات تركية أخرى، هرباً وخوفاً من أي زلزال آخر مرتقب.
"الكلام ليس كمن عاش اللحظة، رغم أننا شهدنا القصف في سوريا، إلا أنّ الخوف من الزلزال شيء آخر لا يشبه ما عشناه سابقاً"، هكذا تختم لمى حديثها.
في التفاصل، يوم الاثنين 6 شباط، وبقوة 6.6 درجات على مقياس ريختر، ضرب زلزال، منطقة نورداغي بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا، تزامناً مع زلزال في ولاية قهرمان مرعش بدرجة 7.4 ريختر، على عمق 7 كيلومترات تحت الأرض، وفق "رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ" التركية.
الأبنية المدمرة في مدينة أنطاكيا التركية
الأبنية المدمرة في مدينة أنطاكيا التركية
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن 10 ولايات متضررة من الزلزال "مناطق منكوبة" ليطلق فيها حالة الطوارئ مدة 3 أشهر وفقاً للدستور.
تختبئ لمى وعائلتها في البيت الآن مع الرعب، تحاول أن تتجاوز الكارثة، وهو أمر اعتاد السوريون على فعله منذ 12 عاماً من الحرب والقهر وسفك الدماء…
