حين لا تكون السخرية مجرد مزحة: متى يتحول تنمّر الأطفال إلى أذى؟
منى حاج يحيى
من «أم أربع عيون» إلى «بطة» و«نيرد».. كلمات تبدو عابرة للأطفال، لكنها قد تتحول مع تكرارها إلى خوف، وانسحاب، وفقدان للثقة بالنفس
لم أتوقع أن ينتهي يوم عادي بزجاج سيارة محطم، وابني في حالة هلع.
كان يستعد لامتحان شهادة التعليم الأساسي «التاسع». في ذلك اليوم تأخرت عليه قليلاً، وخلال وجوده أمام المعهد تعرض للسخرية من مراهق كان يقف برفقة أصدقائه.
عندما وصلت، ركض ابني باتجاه السيارة وشتم المراهق، ظناً منه أن وجودي يعني أنه أصبح في أمان. لكن المراهق اتجه بأقصى سرعته نحو السيارة وركل النافذة بقدمه.
تفتت الزجاج وتناثر على وجوهنا ورقابنا. لم نُصب بإصابات عميقة، لكن ابني بدأ بالبكاء بشدة وكان في حالة هلع. هرب المراهق.
في اليوم التالي، أخبرت مدير المعهد بما حدث. حاول مساعدتي في الوصول إلى أهل المراهق، وتمكنا من معرفة اسمه من خلال بعض زملائه. عاد المراهق إلى المعهد لفترة قصيرة، وقال للمدير إنه يعيش مع والدته وإن والده متوفى، ووعد بإحضارها في اليوم التالي. لكنها لم تأتِ، ولم يعد المراهق إلى المعهد بعد ذلك.
أما ابني، فاحتجت إلى إقناعه بالعودة، لأن امتحان التاسع كان ينتظره.
لكن الحادثة دفعتني إلى سؤال لم أعد أراه متعلقاً بابني وحده: متى تكون السخرية بين الأطفال مجرد خلاف عابر، ومتى تتحول إلى أذى يحتاج إلى تدخل؟
عندما يصبح الاختلاف سبباً للسخرية
للإجابة عن هذا السؤال، تحدثت مع ثلاث أمهات عن تجارب مختلفة عاشها أطفالهن، ومع مرشدتين نفسيتين وتربويتين تعملان في مدارس بدمشق وريفها، إضافة إلى طبيبة نفسية متخصصة في الصحة النفسية والتربية الخاصة.
رهف، وهو اسم مستعار، أم لأربعة أطفال، تقول إن ابنتها البالغة من العمر عشر سنوات تعرضت للسخرية من طالب معها في الصف بسبب ارتدائها النظارات.
كان يناديها «أم أربع عيون»، وكانت الطفلة تعود إلى المنزل باكية بسبب تكرار الموقف.
حصلت رهف على رقم أهل الطفل من المدرسة، وتواصلت معهم وطلبت منهم تنبيه ابنهم إلى سلوكه، لكن الطفل استمر في إزعاج ابنتها، ما دفع الأسرة إلى الذهاب إلى المدرسة.
انتهى الأمر بنقل الطفلة إلى صف آخر لإبعادها عن مصدر الإزعاج.
أما سها، وهي أم لطفلين، فتروي تجربة مختلفة، لكنها بدأت أيضاً من المظهر.
تقول إن ابنتها البالغة من العمر 11 عاماً تعاني من حول وحشي في إحدى عينيها، وكانت تتعرض للسخرية من أقرانها بسبب ذلك.
كانت تسمع عبارات مؤذية، كما كانت تتعرض لأسئلة من أطفال آخرين عن قدرتها على الرؤية وكيف ترى الأشياء، يتبعها الضحك، بحسب والدتها.
تواصلت سها مع والدة إحدى الطالبات التي كانت تسخر من ابنتها، وطلبت منها أن تنبه طفلتها إلى ما تقوله. اعتذرت الأم ووعدت بالتحدث معها، لكن السخرية لم تتوقف تماماً، واستمرت ابنة سها في التعرض لها من أطفال آخرين بين حين وآخر.
مع الوقت، بدأت الطفلة ترفض الذهاب إلى المدرسة.
عندها أجرت سها لابنتها عملية لتصحيح الحول. وعندما سألتها عن سبب اتخاذ القرار، قالت سها إن نحو 70 في المئة من قرارها بإجراء العملية كان بدافع رغبتها في حماية ابنتها من نظرات الآخرين وسخريتهم.
أما سوزان، وهي أم لمراهق في الصف التاسع، فتتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة.
تقول إن ابنها حساس، وإن كلمات من زملائه يمكن أن تزعجه. يسخر بعضهم من طريقة ارتدائه لقميص المدرسة أو من شكل جسمه، وينادونه «طبل» و«بطة».
تقول إن ذلك أثر في ثقته بنفسه، وإنه أصبح يحاول اختيار ملابسه بطريقة تخفي بطنه.
لكن سوزان لم تتواصل مع المدرسة.
تقول: «بهيك حالات ما بشتكي للمدرسة، خليه يدافع عن حاله لحاله، مو مربوط إنه كل ما حدا حكى معه كلمة تروحي تشتكي».
وترى سوزان أن الأطفال في هذا العمر قد يتبادلون السخرية من دون أن يعني ذلك، في كل مرة، ممارسة التنمر، وأن ابنها يحتاج إلى أن يتعلم كيفية الرد والدفاع عن نفسه.
وتقول إن مدرسة ابنها تنظم أنشطة ومحاضرات حول أضرار التنمر وطرق مواجهته، ولذلك اختارت أن تساعده في المنزل، وتشاهد معه مواد توعوية حول التعامل مع المتنمرين وتعزيز ثقته بنفسه.
صور مولدة بالذكاء الاصطناعي
صور مولدة بالذكاء الاصطناعي
ما الذي تراه المرشدات في المدارس؟
في مدرسة إعدادية مختلطة بمنطقة ضاحية الشام في حرستا، تتعامل عبير رزق محمد، المرشدة النفسية والتربوية، مع حالات متعددة من التنمر.
من بينها طالب تعرض للتنمر لأنه متفوق ويحب الدراسة، ووُصف بـ«النيرد». كما تشير إلى حالات اعتداء بالضرب مرتبطة، بحسب وصفها، بالاستفزاز أو الانتقام، وحالات تضمنت استفزاز زميلات ونشر إشاعات عنهن، إضافة إلى حالة تعرضت فيها طالبة للسخرية بعد ظهور حب الشباب في وجهها.
وتقول إن التنمر الذي تراه في المدرسة يشمل الشتائم والضرب والتهديد والعزل ونشر الإشاعات، إضافة إلى التنمر الإلكتروني عبر الرسائل.
وفي مدرسة ابتدائية مختلطة بمنطقة المهاجرين في دمشق، تلاحظ أروى سمير النابلسي، الاستشارية النفسية والاجتماعية والمرشدة النفسية، أشكالاً أخرى من السلوك، بينها العنف الجسدي والسخرية والتنمر المرتبط بالمظهر أو الاختلاف بين الطلاب.
وقد يظهر التنمر أحياناً داخل مجموعات من الطلاب، حيث يأخذ أحدهم دوراً قيادياً داخل المجموعة.
وترى أروى أن العمر والبيئة المحيطة بالطالب، والوضع الاقتصادي والثقافي والتعليمي للأسرة والمجتمع، ووسائل التواصل الاجتماعي، قد تؤثر في السلوك، لكنها لا تعتبر أياً منها سبباً منفرداً للتنمر.
وتقول إن ما يصل إلى المرشد لا يكون بالضرورة صورة كاملة عما يحدث بين الطلاب، فبعض الأطفال لا يبلغون عن تعرضهم للتنمر بسبب الخوف أو الخجل، وقد تصل الحالة إلى المرشد نتيجة ملاحظة المعلمة أو المديرة أو أحد زملاء الطالب تغيراً في سلوكه.
وعندما تصل الحالة، تقول أروى إن المدرسة التي تعمل فيها توثق الحادثة وتجمع المعلومات وتتحقق مما حدث، ثم تتعامل معها بطريقة تربوية وعلمية وسرية.
كما تحاول فهم دوافع الطالب الذي مارس التنمر وتعديل سلوكه، وقد يكون هو نفسه، في بعض الحالات، تعرض لتنمر أو عنف من شخص آخر. وتكون الإجراءات التأديبية متدرجة بحسب طبيعة الحالة، بالتوازي مع الدعم والإرشاد النفسي والسلوكي.
أما عبير، فتوضح أن معالجة بعض الحالات قد تحتاج إلى أكثر من جلسة، مع متابعة سلوك الطالب داخل الصف وفي الباحة المدرسية والتواصل مع الأهالي.
وترى أن الطالب الذي يمارس التنمر لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره شخصاً يجب معاقبته، بل ينبغي أيضاً فهم دوافع سلوكه والعمل على تعديله.
عندما ينتقل صوت المتنمر إلى داخل الطفل
لا ينتهي أثر التنمر بالضرورة بانتهاء الموقف أو اليوم الدراسي.
بالنسبة إلى د. حنان عليا، الطبيبة النفسية الحاصلة على بكالوريوس الطب من جامعة دمشق وماجستير في الطب النفسي من جامعة أولوداغ، وتمتلك خبرة مهنية تقارب 15 عاماً في مجالات الصحة النفسية والتربية الخاصة ودعم الأطفال والأسر، قد يبدأ الخطر عندما يتحول التنمر المتكرر من كلمات يسمعها الطفل إلى صورة يكونها عن نفسه.
تقول حنان إن الطفل قد يعرف في البداية أن المشكلة في الشخص الذي يتنمر عليه، لكن تكرار السخرية قد يدفعه إلى التساؤل: «يمكن فعلاً العيب فيني؟».
ومع الوقت، قد تتحول الإهانة المتكررة إلى اعتقاد داخلي، فيرى الطفل نفسه أقل جمالاً أو قبولاً من الآخرين، ويبدأ بمراقبة شكله وكلامه وتصرفاته ومحاولة إخفاء الصفات التي تعرض بسببها للسخرية.
وترى حنان أن التعامل مع التنمر لا يتعلق فقط بالألفاظ التي سمعها الطفل، وإنما أيضاً بحماية الصورة التي يبنيها عن نفسه وشعوره بالأمان والانتماء.
ويظهر هذا الأثر أيضاً في طريقة تعامل الأسر مع المشكلة.
فبحسب حنان، قد يكون نقل الطفل إلى صف آخر ضرورياً أحياناً إذا أصبح المكان غير آمن نفسياً أو جسدياً، لكنه لا ينبغي أن يكون الحل الوحيد.
أما مطالبة الطفل بتغيير وزنه أو شعره أو ملابسه أو طريقة كلامه أو أي صفة فيه حتى يتوقف الآخرون عن السخرية منه، فقد تحمل رسالة مؤذية دون قصد: «حتى يتوقفوا عن إيذائك، عليك أنت أن تتغير».
وترى حنان أن هذا النوع من التعامل قد ينقل مسؤولية المشكلة من الشخص الذي يمارس التنمر إلى الطفل الذي يتعرض له.
أما الاستجابة الأوسع، فتتمثل في حماية الطفل، وإيقاف السلوك المتنمر ومحاسبة مرتكبه تربوياً، إلى جانب العمل على إعادة بناء شعور الطفل بالأمان والثقة.
وتشير إلى أن بعض الأهل قد يميلون إلى مطالبة الطفل بالتكيف لأن ذلك يبدو أحياناً أسهل وأسرع من مواجهة المشكلة، وقد تتكرر نصائح مثل: «طنّش»، أو «لا تزعل»، أو «قوّي شخصيتك»، أو «رد عليهم»، أو «غيّر طريقتك».
لكنها تميز بين تعليم الطفل مهارات المواجهة وبين تحميله مسؤولية إيقاف الأذى الواقع عليه.
فالمرونة النفسية مهمة، لكن الطفل لا ينبغي أن يتعلم أن تحمل الإساءة هو ثمن بقائه مقبولاً بين الآخرين.
صور مولدة بالذكاء الاصطناعي
صور مولدة بالذكاء الاصطناعي
متى يحتاج الطفل إلى تدخل متخصص؟
يصبح الأمر أكثر إثارة للقلق عندما لا يبقى أثر التنمر داخل المدرسة، بل يبدأ بمرافقة الطفل إلى المنزل وحياته اليومية.
ومن الإشارات التي تستحق الانتباه، بحسب حنان، رفض الذهاب إلى المدرسة، أو آلام البطن أو الرأس المتكررة من دون تفسير واضح، واضطراب النوم، والبكاء، والانسحاب، وتراجع التحصيل الدراسي، وفقدان الثقة بالنفس، وتغير الشهية، ونوبات الغضب أو الخوف الشديد.
ويصبح التدخل النفسي أكثر إلحاحاً عند ظهور مؤشرات أكثر خطورة، مثل الحديث عن كراهية الذات، أو تمني الاختفاء أو الموت، أو إيذاء النفس.
وتختصر حنان الفكرة في أن الهدف لا ينبغي أن يكون تربية طفل قادر على تحمل التنمر، بل طفل يعرف أن كرامته ليست موضع تفاوض، وأن طلب المساعدة ليس ضعفاً، وأن اختلافه ليس مبرراً لأحد كي يؤذيه.
ماذا تقول وزارة التربية والتعليم؟
للاطلاع على آلية التعامل الرسمية، توجهت المادة إلى وزارة التربية والتعليم السورية بأسئلة حول أعداد حالات التنمر والعنف بين الطلاب، وآلية الإبلاغ والتوثيق، ودور المرشد النفسي والاجتماعي، ومبادرة «المدرسة الآمنة»، ونتائج برامج الوقاية والتوعية.
في رد مكتوب، قال مأمون عرابي، رئيس دائرة الإرشاد النفسي في وزارة التربية والتعليم السورية، إن التنمر من المشكلات النفسية والسلوكية، مشيراً إلى أن له عدة أنواع، بينها التنمر الجسدي واللفظي، وقد يكون نفسياً ومعنوياً.
وأوضح أن التعامل مع التنمر ينقسم إلى مسارين. ففي حالة الطالب الذي يمارسه، يشمل التدخل عقد لقاءات مع الأهل والمدرسين والإداريين، إضافة إلى إجراء بطاقة ملاحظة للطفل.
أما الطفل الذي يتعرض للتنمر، فتُعقد له جلسات فردية، ويتم التواصل مع أهله وبيان الآثار التي يخلفها التنمر، كما يوضع له برنامج إرشادي يتناسب مع حالته.
وعن الإبلاغ، قال عرابي: «يتم الإبلاغ عن أي حالة للإدارة بشكل مباشر، وإحالتها إلى المشرف المختص».
وأضاف أن التقييمات الواردة بشأن حالات التنمر تُدرس، فيما تضع الأقسام المختصة برامج للتوعية والوقاية من التنمر والعنف داخل المدارس، على أن تُطبق ضمن خطط مستقبلية لاحقة.
لكن رد الوزارة لم يتضمن أرقاماً أو إحصاءات عن أعداد حالات التنمر أو العنف بين الطلاب، كما لم يوضح ما إذا كانت هذه الآلية مطبقة بصورة موحدة في جميع المدارس، أو كيف تُجمع الحالات المبلغ عنها وتُستخدم لقياس حجم الظاهرة على مستوى البلاد.
«المدرسة الآمنة».. ماذا نعرف؟
بحسب الوزارة، يمثل التنمر أحد المحاور التي تتناولها مبادرة «المدرسة الآمنة».
ويقول عرابي إن من أهم المحاور التي يتم طرحها حالة التنمر، لأن عدم وجود التنمر يعد أحد العناصر المهمة لضمان الأمان في المدرسة.
وبحسب المعلومات التي نشرتها اليونيسف، أُطلقت مبادرة «المدرسة الآمنة» بالتعاون مع وزارة التربية عام 2024 بهدف الحد من العنف في المدارس وتعزيز الانضباط الإيجابي والعمل الجماعي.
وشملت المبادرة في عام 2025 نحو 8610 من العاملين في التعليم في 287 مدرسة ضمن 12 محافظة، بينهم معلمون ومرشدون ومديرو مدارس.
وتضمنت التدريبات التعرف إلى العنف والوقاية منه والاستجابة له، إلى جانب الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي وإدارة الصف.
وفي مادة نشرتها اليونيسف عن المبادرة، قالت إحدى المدربات إن المدارس التي شارك معلموها في التدريبات شهدت، بحسب ملاحظتها، انخفاضاً ملحوظاً في العنف، من دون عرض مؤشرات رقمية لقياس هذا الانخفاض على نطاق أوسع.
ما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟
تظهر الشهادات التي جمعتها هذه المادة أن التنمر قد يتخذ أشكالاً مختلفة، من السخرية المرتبطة بالمظهر أو الاختلاف، إلى الإيذاء الجسدي ونشر الإشاعات، وأن التعامل معه يختلف بين الأسر والمدارس.
وتقول وزارة التربية والتعليم إن المدارس تتعامل مع الحالات من خلال الإبلاغ عنها للإدارة، وجمع المعلومات، وتقديم الإرشاد للطالب الذي يتعرض للتنمر، والعمل مع الطالب الذي يمارسه وأسرته. كما تندرج الوقاية من العنف، بحسب الوزارة، ضمن محاور مبادرة «المدرسة الآمنة».
لكن المعلومات التي حصلت عليها المادة لا تتضمن أرقاماً وطنية حديثة توضح حجم التنمر بين الطلاب، ولا مؤشرات كمية منشورة تسمح بتقييم نتائج برامج الوقاية أو قياس مدى التزام المدارس بآليات موحدة للتوثيق والإبلاغ والإحالة.
كما تشير خبرة المرشدات إلى أن بعض الحالات قد لا تصل أصلاً إلى المدرسة، بسبب خوف الأطفال أو خجلهم من الإبلاغ.
لذلك، لا تسمح هذه المادة بتحديد مدى انتشار التنمر في سوريا، لكنها تظهر كيف يمكن أن يتحول موقف يبدو عابراً إلى تجربة تترك أثراً على الطفل، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة لا تزال بحاجة إلى بيانات أوسع:
كم عدد هذه الحالات؟ وكيف تُرصد؟ وما مدى فاعلية آليات الوقاية والتدخل؟
وربما يبدأ التعامل مع التنمر من سؤال أبسط: هل نطلب من الطفل أن يتغير حتى يتوقف الآخرون عن إيذائه، أم نعمل على أن يتوقف الأذى؟