صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

نساء سوريا يعبرن ضفة الفقد إلى منصة العدالة..
يوميات زوجة مفقود في سوريا

مارينا منصور

تستيقظ كنانة غزال كل يوم في الصباح الباكر لتذهب إلى عملها كمُدرِّسة لغة عربية في داريا بريف دمشق.

سابقاً كانت تعمل لأنها تحب مهنتها وكانت تملك حرية الاختيار بين الاستمرار بالعمل أو التوقف عنه، أما اليوم فهي مُضطرة للعمل كي تعيل عائلتها المكونة من ابنتين.

هذه المسؤولية أُلقيت على كاهلها منذ ثلاثة عشر عاماً بعد فقدان زوجها الذي اعتقلته قوات النظام السابق في كمين بدمشق عام 2013.

لم تفقد كنانة زوجها وشريكها فحسب، بل فقدت أب بناتها ومُعيل العائلة، وأصبح هم المصروف اليومي والديون المتراكمة تفكيراً يومياً يحتل عقلها ويُثقل كاهلها، ولم يكن هذا الهم هو الوحيد.

قد يهمك للقراءة: مع غياب النتائج والمعلومات..أهالي المفقودين يغرقون في رحلات البحث الفردية

"البطاقة الذكية" كشفت مصير مفقود

تجلس كنانة بهدوء، تعقد ذراعيها أمامها وتُربِّت بيدها اليمنى على يدها اليسرى، تخبرني كيف انقلبت حياتها رأساً على عقب منذ ذاك اليوم:

"بحثت عنه كثيراً في سجون وأفرع النظام السوري، وفي نهاية المطاف تسلّمت ورقة من محكمة الإرهاب تفيد بأن زوجي محمد غير موجود في أي فرع أمني، رغم أن والده اعتُقل وخرج بعدها، وأبلغني أنه رآه في فرع الجوية".

توقّفتْ لدقائق وحاولت مغالبة دموعها، ابتلعت ريقها أو غصتها، وأكملت: "عندما ذهبت لإصدار بطاقة ذكية عام 2018، اكتشفتُ أن زوجي متوفٍّ".

رفضت كنانة أن تُوفّي زوجها رسمياً دون أن تستلم جثته، أو تكشف مصيره، وبعد سقوط النظام عام 2024 تفقدت جميع المشافي لتسأل فيها عن اسمه، وحاولت تسجيله على الرابط الذي نشرته الهيئة الوطنية للمفقودين، لكن الرابط لم يعمل، والإجراءات كانت معقدة، على حسب وصفها.

لدى تواصلها مع الهيئة، أبلغوها أن الرابط أصبح فعّالاً بعد التعديل عليه، لكنها تؤكد أنه حتى اللحظة لا يعمل.

القانون لم ينصفنا

حتى اليوم لم يصدر قانون خاص بالمفقودين في سوريا، وتعاني النساء ذوات المفقودين من صعوبات تتعلق بالأمور القانونية يواجهنها يومياً.

الوصاية، واحدة من الهموم الكبرى التي تشغل بال كنانة، فعندما فُقِدَ زوجها كان عمر بناتها سنتين وأربع سنوات.

"لا يجب أن يتولى شؤون الأطفال أحد سوى والدتهم، يجب أن يكون ذلك مضموناً في القوانين الجديدة بدلاً من انتقال الوصاية إلى عائلة الأب"، تؤكد السيدة بلهجة حادة.

ولم تَسلَم نساء المفقودين من أن يطالهن الفساد المنتشر بعهد النظام السابق، فعندما حاولت كنانة أن تسافر مع أولادها إلى لبنان اصطدمت بطلب موافقة الأب على سفر أبنائه عند الحدود السورية اللبنانية، لأن الوصاية له، لكن "بالمصاري كل شي بيصير"، تقول.

وهكذا استطاعت كنانة استخراج وصل مدفوع وسافرت مع أطفالها إلى لبنان، وتكررت هذه العملية مرتين.

أما خلال تسجيل أطفالها في المدارس فلم يُطلب توقيع الأب، تهز كنانة رأسها ببطء كمن تؤكد حقيقة لا تقبل الجدل فيها: "الكل كان يعلم أنه لا يوجد آباء وقتها".

المجتمع يحكُم ولا يرحم!

لم تقتصر العقبات التي زُرعت في طريق هذه السيدة على القانون فحسب، بل امتدت إلى المجتمع الذي ساهم في مضاعفة معاناتها.

عندما سألتُها عن الصعوبات الأخرى التي تواجهها، خرجت الكلمة من شفتيها بأسى: "التحرّش".

تستطرد: "أي شخص في المجتمع أو المحيط يعرف أني بلا زوج كان يحاول أن يتحرّش بي، لكن كنت أتصدى لهذه المحاولات وكنت قوية بنفسي".

وتشرح كنانة أنها ليست وحدها في مواجهة هذه التصرفات التي طالت صديقة لها زوجها مفقود أيضاً، إذ حاول مديرها في العمل التحرّش بها لأنه يعرف أن زوجها غير موجود.

تتحدث كنانة عن فرصة عمل كان يمكن أن تحظى بها براتب جيد، لكنها رفضتها بسبب الخوف من التحرّش وغياب الحماية الحقيقية للنساء، إذ لا توجد آليات فعّالة للشكوى والمحاسبة.

كما تشير السيدة إلى نظرة المجتمع التي لطالما تربّصت بها عند عودتها في وقت متأخر من عملها في إعطاء الدروس الخصوصية.

تُعدّل جلستها وتُلوّح بيدها في الهواء وتقول: "لا يهمني الأمر، أعرف نفسي جيداً، فأنا لا أفعل أي شيء خاطئ، لذلك لا تهمني نظرة أحد".

الكابوس المُنتظر

انهمرت الدموع التي غالبتها كنانة طويلاً وهي تصف لي آخر لحظات زوجها معها، مؤكدةً أنه كان يشعر بأنه سيُعتقل.

تروي كيف استحم وحلق شعره، وأخبرها أنه لحين خروجه من المعتقل سيكون شعره قد نما من جديد.

"أوصاني ببناتنا، ثم توجه إلى عمله، اتصلت به كثيراً لكنه لم يرد، وفيما بعد أصبح خطّه خارج التغطية، وهنا عرفت أنه حدث ما خشيناه"، تقولها باستسلام.

حال العائلة لم يعد كما كان قبل هذا اليوم، ولم تستطع كنانة تحمّل الصدمة فبقيت لأيام غائبة عن الوعي، ما أدى إلى بكاء طفلتها الصغيرة بهستيريا لفقدانها والدها ووالدتها، وكان هذا السبب الذي دفع كنانة إلى استعادة قوتها لتكون سنداً لبناتها.

وبعدها، عادت كنانة إلى الدراسة بتشجيع ممن حولها، لتسجّل في التعليم المفتوح وتتم سنواتها الجامعية بنجاح.

لكن إلى اليوم، لم تُثبَّت السيدة في وظيفتها كمعلّمة، ما يعني عدم حصولها على راتب تقاعدي مستقبلاً بعد كل هذا الجهد الذي تبذله، وتُطالب اليوم بتثبيتها في وظيفتها أو تأمين وظائف مناسبة لتتقدم إليها دون الحاجة إلى "واسطة".

كنانة سيدة من عديدات يواجهن ذات المصير ويتشاركن المعاناة من نفس الصعوبات يومياً على الصعيد المادي والقانوني والاجتماعي والنفسي.

فهل ستلقى معاناتهن أخيراً اهتماماً حقيقياً؟

سوريا تطلب والأمم المتحدة تستجيب

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 31 آب 2026 مشروع قرار تقدمت به سوريا لإعلان 19 كانون الأول من كل عام يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين.

ويهدف القرار الأممي إلى إقامة فعاليات تُسلّط الضوء على جهود هؤلاء النساء والعواقب التي يواجهنها، وتشجيع الدول ومنظومة الأمم المتحدة على اتخاذ تدابير لمنع وإنهاء التمييز والعنف ضدهن، بالإضافة إلى حماية حقوقهن وضمان مشاركتهن في المناقشات وصنع القرار بشأن أقاربهن المفقودين.

وكانت كارلا كينتانا، رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا أشارت في حوار مع "أخبار الأمم المتحدة" إلى تقديرات بأن عدد المفقودين في سوريا قد يتراوح بين 130 ألفاً و300 ألف شخص.

ووجهت كينتانا رسالة للنساء ذوات المفقودين: "النساء في سوريا، كما في أنحاء العالم، هن من قدن، وما زلن يقدن منذ عقود، النضال من أجل الحقيقة والعدالة. وهن من واجهن الحكومات والأنظمة والمؤسسات، كما أسهمن في الدفع نحو اعتماد سياسات عامة، وإبرام معاهدات دولية، وإنشاء هيئات ومؤسسات دولية، ولهن أوجه كل الاحترام والتقدير والإعجاب، ورسالتي إليهن هي أننا نسير إلى جانبهن.

فنحن لا نعمل من أجلهن فحسب، بل نعمل معهن أيضاً. ونتعلم منهن، ونلتزم بتسخير كل ما لدينا من إمكانات، ومعارف، وخبرات، وإصرار، لمساعدتهن في الحصول على الإجابات التي يستحققنها عن حق".

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

كما توجّه ابراهيم العلبي ممثل سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بكلمة إلى النساء ذوات المفقودين، مرجعاً سبب وصول القضية إلى المحافل الدولية لشجاعة هؤلاء السيدات وصمودهن الأسطوري وتكريس أيامهن لهذه القضية، مشيراً إلى تخصيص هذا اليوم لهن الآن لرد الاعتبار لدموعهن وصبرهن.

وعن القرار، تُبيّن كنانة أنه من المهم دعم النساء ذوات المفقودين بمشاريع تدريبية وتمكينهن لينطلقن في مشاريع تُعيلهن، أو توفير فرص عمل لهن، فهن لا يحتجن إلى رواتب شهرية بل إلى مهارات ليصنعن أنفسهن بأنفسهن.

وتُشدد السيدة على أهمية عدم التمييز بين مفقود وآخر، وأن تُذكر أسماؤهم جميعاً لكي تُخلَّد ذكراهم.

وتختم: "أتمنى أن لا يقتصر الكلام على الوعود فقط، وأن نتمكن من الكشف عن مصير مفقودينا عبر الوثائق والسجلات الموجودة، وأن تكون الإجراءات سريعة لنعرف الحقيقة، ونحن على استعداد لمساعدة الهيئة الوطنية للمفقودين لكي يتم الأمر بأسرع ما يمكن".