الغاز في سوريا بالأرقام: خمسة أسئلة وأجوبة لتعرف كل شيء عن الإنتاج والاستهلاك والمصادر
محمد الحاج
شهدت سوريا في الأسابيع القليلة الماضية أزمة خانقة في توفر أسطوانات الغاز المنزلي، أثرت على العائلات مع دخول شهر رمضان في مختلف المحافظات، ما أعاد تسليط الضوء على واقع إنتاج الغاز الطبيعي والغاز المنزلي في البلاد.
وفي ظل انتقادات واسعة وغضب شعبي من عودة طوابير الانتظار للحصول على الأسطوانات، عزا وزير الطاقة محمد البشير منتصف شباط/فبراير الحالي أن الأزمة "نتيجة ظروف جوية سيئة أثرت على عمليات ربط وتفريغ باخرة الغاز في الميناء"، موضحا أن حركة التوزيع ستعود لوضعها الطبيعي مع بدء تفريغ الحملات البحرية.
تسلط روزنة في هذا التقرير الضوء على أبرز التساؤلات التي رصدناها خلال الأيام الماضية، وسط انتشار معلومات متضاربة حول مصادر الغاز في سوريا وكمياته اليومية المتوفرة.
يحاول التقرير تفكيك الأسئلة التي يطرحها سوريون بإلحاح على مواقع التواصل الاجتماعي: من أين تحصل البلاد على الغاز اليوم؟ كيف تغيّر إنتاجه منذ عام 2011، ولماذا تراجع الاعتماد على الحقول المحلية؟ وما السيناريوهات المتوقعة لمستقبل هذا القطاع؟ كما يتتبع التقرير آليات تأمين الغاز المنزلي، والجهات المسؤولة عن تغطية الطلب المحلي في ظل الأزمات المتراكمة.
بداية.. كيف تؤمن سوريا الغاز المنزلي؟
تحتاج سوريا يوميًا نحو 1700 طن متري من الغاز المنزلي (المسال)، بينما يبلغ إنتاجها المحلي الحالي نحو 110 أطنان يومياً فقط، وفق تصريح مدير الاتصال في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد لوكالة سانا نهاية كانون الأول/يناير الماضي.
ويأتي الإنتاج المحلي من معملي إيبلا وجنوب المنطقة الوسطى، إضافة إلى مساهمة حقلي جبسة في الحسكة وشاعر في حمص.
ولتغطية الفجوة الكبيرة بين الطلب والإنتاج المحلي، تعتمد سوريا على استيراد الغاز المنزلي المسال (LPG) عبر البحر، حيث تصل الناقلات إلى مصبي بانياس وطرطوس.
ولا تكشف غالبية إعلانات وزارة الطاقة وسانا عن مصدر هذه الشحنات، بينما تتراوح كمياتها بين 4000 طن متري و1927 طن متري.
وكشف "شيخ أحمد" بعد أزمة الغاز المنزلي الأخيرة الخانقة في الأسابيع الماضية، عن البدء قريباً بالتوريد البري عبر الأردن بمعدل 200 طن يومياً.
وفي 2010 افتتح معمل إيبلا في منطقة الفرقلس بمحافظة حمص، لإنتاج نحو 110 طن من غاز البترول المسال "المنزلي" (ذات القيمة المنتجة في سوريا حالياً) إضافة لنحو 2.5 مليون متر مكعب من غاز المبيعات يومياً.
وتولت شركة بترو-كندا إدارة مشروع محطة إيبلا بحصة كاملة، فيما منحت حصة 10 بالمئة عام 2008 لشركة بتروفاك التي يرأسها رجل الأعمال السوري أيمن أصفري، بموجب عقد وصلت قيمته لـ477 مليون دولار أمريكي.
وجمدت الإدارة السورية الجديدة العمل بالبطاقة الذكية لتأمين الغاز المنزلي، كما حددت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي سعر أسطوانة الغاز المنزلي بـ 10.5 دولارات، بعد أن كان سابقاً 11.8 دولاراً، أما سعر أسطوانة الغاز الصناعي فحدد بـ 16.8 دولاراً، وكانت سابقاً بـ 18.8 دولاراً.
ارتفع سعر أسطوانة الغاز بذلك نحو خمسة أضعاف ليصل إلى 121 ألف ليرة سورية، بعد أن كانت تباع بالسعر المدعوم عبر البطاقة الذكية بنحو 25 ألف ليرة قبل سقوط النظام السابق، مع انتظار طويل أحيانًا يصل لأكثر من شهرين لتلقي رسالة الاستلام.
وحدد سعر بيع الاسطوانة في النصف الثاني من 2024، خارج البطاقة الذكية "غير المدعوم"، بأكثر من 130 ألف ليرة سورية.
في المقابل، كانت أسطوانة الغاز تُباع في السوق السوداء بأكثر من 300 ألف ليرة سورية خلال الربع الأخير من 2024 ووصلت إلى 600 ألف، بينما بيعت في الأيام الماضية بالسوق السوداء بنحو 280 ألف ليرة.
ولجأ بعض السوريين في السنوات الماضية إلى شراء الغاز بالكيلو لتعبئة ما يُعرف بـ"الغاز السفري" (أسطوانة صغيرة السعة).
ويبلغ معدل تعبئة أسطوانات الغاز حالياً نحو 170 ألف أسطوانة يومياً منها قرابة 75 ألف أسطوانة يومياً في دمشق.
لكن.. ما هو مصدر الغاز في سوريا؟
يتوفر الغاز في سوريا حالياً من أربعة مصادر رئيسية:
- الإنتاج المحلي
يشمل حقول الغاز والنفط المتواجدة بشكل رئيسي في منطقة تدمر بريف حمص ودير الزور والرقة وحماة. - توريد من أذربيجان
عبر الأراضي التركية بموجب اتفاقية بدأت في آب/أغسطس 2025، بتمويل من صندوق قطر للتنمية، ووصلت كميتها حتى نهاية العام الماضي نحو 350 مليون متر مكعب بقيمة إجمالية بلغت 120 مليون دولار أمريكي. - توريد من الأردن
عبر الخط العربي وفق اتفاقية شراء دخلت حيز التنفيذ منذ كانون الأول/يناير 2026، بلغت قيمتها 800 مليون دولار أمريكي بتمويل حكومي سوري كامل، حسب تصريح مدير الإعلام في وزارة الطاقة. - غاز مصري كرسوم مرور
ستحصل سوريا على كميات من الغاز المصري مقابل مرور الغاز الطبيعي من مصر إلى لبنان عبر الأراضي السورية، مع بدء تنفيذ اتفاق التوريد بين الحكومتين المصرية واللبنانية.
ما حصة محطات الكهرباء من الغاز في سوريا؟
يتطلب الإنتاج المحلي للكهرباء في سوريا حاليًا نحو 10 ملايين متر مكعب من الغاز يوميا، حسب وكالة "سانا".
وفيما يخص الغاز المستورد من أذربيجان، فقد خصصت كامل الكمية المقدرة بنحو 3.4 مليون متر مكعب يوميا للكهرباء، لتوليد 750 إلى 800 ميغاواط، لتغذية محطة حلب الحرارية مباشرة.
وبحسب تصريح لمدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية أحمد سليمان في آب/أغسطس الماضي، فإن توريد الغاز الأذري سيستمر لمدة ثلاث سنوات، مع إمكانية تجديد الاتفاق بحسب الحاجة، موضحاً أن الغاز سيُستخدم حصراً في توليد الكهرباء ضمن محطات التوليد، وليس لأغراض التعبئة أو الاستخدام المنزلي.
يمر مسار الغاز الأذربيجاني عبر أنبوب كليس – حلب، الذي يمتد لحوالي 20 كيلومترا وتم إنجازه في أيار/مايو الماضي، من محطة حرجلة في حلب مرورًا بمعمل تونيان ومنطقة البيارات في تدمر، حيث يتفرع إلى خطين: أحدهما يغذي محطة الجندر في حمص والآخر يغذي محطة تشرين الحرارية.
كذلك، خصصت كامل الكمية القادمة من الأردن لدعم القطاع الكهربائي في سوريا، وتقدر بنحو 4 مليون متر مكعب يومياً.
وفور ضخ الغاز من الأردن، أعيد تشغيل محطة الناصرية في ريف دمشق، التي تبلغ استطاعتها نحو 450 ميغاواط، ليصل إنتاج الكهرباء في سوريا لنحو 3000 ميغاواط لأول مرة منذ أكثر من ست سنوات، حسب الوزير "البشير".
وأوضح وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني صالح الخرابشة عند توقيع عقد الاستيراد نهاية الشهر الماضي، أن الغاز من الأردن يأتي عبر سفينة التغويز العائمة في ميناء العقبة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال المستورد من الأسواق العالمية، وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، ثم ضخه عبر خط الغاز العربي باتجاه الأراضي السورية وصولاً إلى دمشق.
ما الذي تغير بإنتاج سوريا للغاز منذ 2011.. وما المتوقع؟
كانت سوريا تنتج نحو 30 مليون متر مكعب يومياً من الغاز في عام 2011، قبل أن ينخفض الإنتاج إلى نحو 17 مليون متر مكعب يوميا بحلول عام 2014، وفق تصريح وزير النفط والثروة المعدنية السابق سليمان العباس.
وتشير تقديرات شركة بي.بي ومعهد الطاقة إلى أن إنتاج الغاز الطبيعي في سوريا هبط إلى نحو 8.2 مليون متر مكعب يوميا (3 مليارات متر مكعب سنويا) في 2023، من نحو 23.8 مليون متر مكعب يوميا (8.7 مليار متر مكعب سنويا) في 2011.
وتوقع وزير الطاقة السوري الحالي محمد البشير نهاية العام الفائت، أن يرتفع إنتاج سوريا من الغاز الطبيعي إلى 15 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7 ملايين متر مكعب حالياً.
وتختلف تصريحات المسؤولين في النظام السابق والإدارة الحالية حول كمية إنتاج سوريا من الغاز قبل بدء الثورة السورية في 2011، بين 21 و28 و30 مليون متر مكعب يومياً.
ما كميات الغاز اليومية المتوفرة في سوريا؟
يبلغ مجموع كميات الغاز المتوفرة في سوريا حاليا نحو 15 مليون متر مكعب يوميا عبر الإنتاج المحلي والتوريدات:
- الإنتاج المحلي: 7.6 مليون متر مكعب يومياً
- توريد أذربيجان: 3.4 مليون متر مكعب يومياً
- توريد الأردن: 4 ملايين متر مكعب يومياً
لا تشمل الأرقام الإنتاج المتوقع من الحقول التي كانت تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية"، ومن المتوقع أن تصل لنحو 1.5 مليون متر مكعب يومياً، وفق تصريح مدير الاتصال المؤسساتي بالشركة السورية للبترول صفوان الشيخ أحمد لمنصة الطاقة.
كما لم تبدأ عملية ضخ الغاز المصري بموجب مذكرة التفاهم اللبنانية-المصرية الموقعة في ديسمبر الماضي، والتي يتوقع أن تحصل سوريا بموجبها كرسوم مرور على نحو 1.7 مليون متر مكعب يوميًا، حسب مسؤول مصري لموقع "سي إن إن اقتصادية".
والشركة السورية للبترول مملوكة بالكامل للدولة السورية وهي شركة قابضة ذات طابع اقتصادي، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق، تأسست بموجب المرسوم رقم (189) لعام 2025.
ويعتبر "استئناف الاتصال عبر خط الغاز العربي والاتفاقيات الجديدة إلى عودة تدريجية للتعاون الإقليمي، أمر أساسي لانتاج الكهرباء ودعم التعافي الصناعي".حسب تقرير على موقع "شركة كرم شعار الاستشارية المحدودة" في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي،
ويضيف التقرير أن "النجاح طويل الأمد سيعتمد على استمرار الاستثمار، وتأمين المسارات الحيوية، والتنسيق مع جهات مثل (قسد)، والحد من المخاطر المرتبطة بتنظيم داعش".
ويشير إلى أن الإدارة الجديدة بدأت بإعادة تأهيل شبكة تمتد لأكثر من 2,500 كيلومتر من خطوط النقل توصل الغاز المعالج الجاهز لمحطات توليد الكهرباء، مع وجود ست منشآت للمعالجة، لافتاً لجودة البنية التحتية القريبة من المتوسط العالمي في 2011، بعد تطويرها بدعم دولي.
في ظل العقود والاتفاقات ومذكرات التفاهم الموقعة مع شركات وأطراف إقليمية خلال الأشهر الماضية، تواجه سوريا تحديات في تأمين الغاز الطبيعي والمنزلي، مع انخفاض الإنتاج المحلي واعتمادها على التوريدات الخارجية وعدم توفر مخزون استراتيجي في الخزانات التي تقول "السورية للبترول" إن سعتها محدودة ومتهالكة.
ويبقى التحدي الرئيسي في ظل غلاء الأسعار وسوء الواقع المعيشي والاقتصادي، ضمان توزيع الغاز المنزلي بانتظام للسوق بعيداً عن السماسرة والسوق السوداء، لتفادي أزمات جديدة وعودة مشاهدة طوابير الغاز مجدداً إلى شوارع سوريا.