السريانية في سوريا.. مبادرات لحفظ اللغة ومطالب بالاعتراف الرسمي
مارينا منصور
من أغنية على يوتيوب، بدأ طفل يسأل والديه عن كلمات سريانية لم يكن يستخدمها في المنزل، ثم طلب منهما التحدث معه باللغة، وفق رواية نقلتها ديلاما مالكي، مديرة المشاريع في مؤسسة "بيت كانو"، لروزنة عن إحدى العائلات التي تواصلت معها.
هذه المحاولة لإدخال السريانية إلى حديث الأطفال اليومي جزء من جهود مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية في القامشلي لنقل اللغة إلى جيل جديد.
وبالتوازي، يطالب سريان باعتراف رسمي بلغتهم وتوسيع حضورها في التعليم والمؤسسات العامة. فكيف يمكن لهذه الجهود أن تتكامل مع دور الدولة في الحفاظ على السريانية لغةً متداولة بين الأجيال؟
جيل يتهجّى لغة أجداده
مؤسسة "بيت كانو" هي مؤسسة مستقلة تعني "بيت الخلق"، تعمل في القامشلي للنهوض باللهجة السريانية، عبر إنتاج وسائط إعلامية كالأغاني المتحركة، تطبيقات الهواتف المحمولة، المواقع الإلكترونية، مسلسلات الرسوم المتحركة، الكتب وغيرها، موجهة للأطفال والكبار على حد سواء.
تصف ديلاما في حديثها لروزنة دورها بكتابة وإنتاج الأغاني السريانية للأطفال بأنه ليس مجرد نشاط فني، بل وسيلة تعليمية تهدف إلى جعل اللغة جزءاً من الحياة اليومية للطفل لأن الأغاني تساعده على سماع الكلمات والجمل وتكرارها بطريقة ممتعة، ما يجعل حفظ المفردات واكتساب النطق الصحيح أسهل من الاعتماد على الكتب وحدها.
تضيف: "لا توجد حتى الآن دراسات منشورة تقيس بالأرقام مدى ازدياد تعلّم اللغة لدى الأطفال نتيجة هذه الأغاني وحدها، لكن يمكن القول إن المؤشرات إيجابية من خلال توسّع المحتوى والإقبال عليه، والاتصال المباشر عن طريق الأنشطة التي تقوم بها المؤسسة بزيارتها لمختلف المناطق".
وعن صعوبات عمل المؤسسة، تشير مالكي إلى الوقت والجهد الكبيرين لإنتاج محتوى عالي الجودة، والتمويل، إضافة إلى صعوبة الوصول للأطفال المنتشرين في بلدان مختلفة حيث لا تُستخدم اللغة السريانية بشكل يومي.
وتؤكد حرص المؤسسة على استقلاليتها في تطوير مشاريعها ومحتواها، مع الانفتاح على أي شراكات تسهم في إيصال اللغة السريانية إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال والعائلات.
هوية بلا مظلة رسمية
بحسب تصريحات صحفية سابقة لـ كلدو رمزي، الذي كان يشغل منصب مدير المتحف السرياني في أربيل، فإن عمر اللغة السريانية يمتد إلى إلى 7000 عام.
ويُشكّل المكون السرياني جزءاً أصيلاً من أبناء مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، لكن التحدي اليوم يكمن في المحافظة على الإرث اللغوي السرياني ونقله إلى الجيل الجديد وسط الاهتمام بلغات أخرى، وغياب الاعتراف الرسمي باللغة السريانية.
يقول المطران مار موريس عمسيح، مطران أبرشية الجزيرة والفرات للسريان الأرثوذكس، إنهم حريصون على تدريس اللغة السريانية من فئة الحضانة وحتى الثانوية في المدارس السريانية بالجزيرة، وهي أكثر من 20 مدرسة، بالإضافة إلى الطقوس الموجودة في الكنيسة.
يصف المطران اللغة السريانية بأنها لغة الكنيسة الأم ولغة سوريا الأم، مطالباً بالاعتراف الرسمي بها في الدستور السوري، أسوةً باللغات الأخرى التي تم الاعتراف بها.
ويردف لروزنة: "أعطينا اللغة السريانية لسوريا وأخذنا اسم سوريا منها، هي حياتنا ونحن حياتها".
ولا يرى المطران عمسيح أن تعليم اللغة يشكل عبئاً على الكنيسة، لأن المناهج والكتب باللغة السريانية موجودة لديهم منذ زمن طويل ومازالت تُدرَّس حتى اليوم، بالإضافة لوجود دعم من منظمات دولية كاليونيسيف، ومنظمات كنسية في أوروبا وأميركا كي تبقى هذه اللغة حية.
أصوات ترتفع كي لا تُنسى
شهدت محافظة الحسكة وقفة احتجاجية أمام مبنى المحافظة في الثلاثاء 23 من شهر حزيران 2026، طالب فيها السريان بالاعتراف بحقوق الشعب السرياني واعتماد اللغة السريانية لغة رسمية في سوريا.
وشاركت مؤسسة "أولف تاو" بالوقفة، وهي مؤسسة مستقلة تعليمية وثقافية تُعنى بالحفاظ على اللغة السريانية وتعليمها ونشرها بين مختلف الفئات العمرية، من خلال إعداد المناهج، وتأهيل المعلمين، وتنظيم الدورات والأنشطة الثقافية التي تسهم في تعزيز حضور اللغة في المجتمع.
تتحدث جوزفين صومي، مديرة المؤسسة في القامشلي لروزنة عن التحديات التي تواجه عملهم، أبرزها محدودية الإمكانات المالية، والحاجة إلى دعم أكبر لبرامج تعليم اللغة، إضافة إلى ضرورة توسيع الاعتراف الرسمي باللغة السريانية وتعزيز حضورها في المؤسسات التعليمية، بما يضمن استمرارية هذا الإرث الحضاري.
تقول صومي: "نحن على تواصل مع الجهات المعنية بالشأن التعليمي والثقافي، ونسعى إلى بناء تعاون يخدم اللغة السريانية ويعزز مكانتها، مع التأكيد على أهمية توفير دعم مستدام للمشاريع التعليمية والتدريبية".
وتشرح المديرة عن مساهمة المؤسسة خلال السنوات الماضية في تأهيل عشرات المعلمين وتخريج أعداد منهم للعمل في مجال تدريس اللغة السريانية، مبينةً أن الدورات التعليمية تشهد إقبالاً جيداً، خاصة من الشباب والأهالي الذين يدركون أهمية الحفاظ على لغتهم الأم ونقلها إلى الأجيال القادمة.
من الشارع إلى طاولة الوزارة
يوضح مدير ثقافة ريف دمشق محمد إرحابي أن عمل وزارة الثقافة ينطلق من كون التنوع الثقافي واللغوي في سوريا جزءاً أصيلاً من هويتها الوطنية وذاكرتها الحضارية، ويرتبط بالهدف الذي تعمل عليه الوزارة في تعريف السوريين بالسوريين، وإتاحة المجال أمامهم للتعرّف إلى الثقافات واللغات والتقاليد التي أسهمت في تكوين تاريخ بلادهم.
ويستشهد إرحابي بفعالية "صور من التراث السوري" واحتفال الوزارة برأس السنة الآشورية السريانية "أكيتو"، باعتبارهما، وفق وصفه، مثالين على هذا التوجّه.
ويقول إن الفعالية الأولى أُقيمت على مسرح دار الأوبرا بدمشق يومي 27 و28 نيسان 2025، وجمعت ألواناً من التراث العربي والكردي والشركسي والأرمني والسرياني والآشوري، وتضمّنت أغانٍ باللغة السريانية، فيما أُقيم احتفال "أكيتو" بفعالية رسمية في نيسان 2026.
ويضيف مدير الثقافة أن الوزارة تعمل على توسيع حضور ثقافات المجتمعات المحلية، ومن ضمنها الثقافة واللغة السريانية في أنشطة المراكز الثقافية، ودعم الفعاليات المرتبطة بلغتها وتراثها، وإشراك أبناء هذه المجتمعات في إعداد البرامج وتنفيذها، بما يتيح لكل ثقافة أن تقدّم نفسها بأصوات أبنائها.
وعن إدراج اللغة السريانية في اللوحات الإرشادية العامة، يقول إرحابي إنه "يحتاج إلى تنسيق مع المحافظات والجهات المحلية المختصة بتنظيم الفضاء العام، كما أن إدراجها في المناهج التعليمية من اختصاص وزارة التربية والتعليم، ويمكن لوزارة الثقافة أن تساند أي مسار في هذا الاتجاه من خلال التنسيق وتقديم الخبرة المتعلّقة بالتراث والمحتوى الثقافي".
ويُبيّن إرحابي أن اللغة جزء من ذاكرة أي مدينة، إلى جانب أسماء الأحياء والشوارع والأسواق، والحكايات والصور والعادات المرتبطة بالمكان، لافتاً إلى أن حضور اللغة السريانية في الحياة الثقافية للقامشلي يعبّر عن جانب أساسي من تاريخ المدينة وتنوعها الاجتماعي والثقافي.
ويقول إن الوزارة منفتحة على أي مبادرة جادة ومدروسة تسهم في حفظ اللغة والتراث السريانيين وتعزيز حضورهما ضمن الذاكرة الثقافية السورية، وفق اختصاصها وإمكاناتها وبالتنسيق مع الجهات المعنية، بما يسهم في إبقاء التراث السرياني حيّاً ومتداولاً ضمن الذاكرة الثقافية السورية المشتركة.
الشاشة كحارسة للهوية
لا تقتصر جهود إحياء اللغة السريانية على المناهج والتعليم، بل تمتد إلى الإعلام الذي يحمل مسؤولية إنشاء وسائل ناطقة باللغة السريانية، ليكون له دوراً في تعزيز اللغة، وتقديم أخبار وبرامج للجمهور باللغة السريانية.
تعبّر ماريا حنا مسؤولة قسم التحرير بمؤسسة "سورويو" الإعلامية عن فخرها بكونهم من الوسائل السريانية القديمة التي انطلقت وبقيت مستمرة حتى اليوم.
وتتألف مؤسسة "سورويو" من تلفزيون، وراديو يبثّان برامجهما باللغتين السريانية والعربية، ووكالة أنباء باللغات السريانية والعربية والإنكليزية.
وتُرجع حنا استمرار المؤسسة إلى تنوّع محتواها وتجاوزها البرامج الدينية، إلى جانب اهتمامها بتطوير استخدام اللغة السريانية وإيجاد بدائل سريانية للكلمات المستعارة من لغات أخرى مثل العربية والإنكليزية.
وتُعرب الصحفية عن خيبة أملها بعد سقوط النظام وعملية الاندماج في الحسكة بضياع جهودهم التي بُذلت لسنوات، عندما تمت إزالة اللغة السريانية من الآرمات الرسمية، مبينةً أنهم حاولوا بشتى الطرق والظروف إثبات وجودهم.
تقول لروزنة:
"الشيء الإيجابي في هذه الحادثة كان ازدياد إصرارنا على أننا نمتلك الحق بأن تكون لغتنا معترف بها وموجودة مثل باقي اللغات على لوحات المؤسسات الحكومية وفي كل مكان لأن لنا تاريخ عريق هنا، فنحن أبناء هذه المنطقة وهذا البلد".
تتحدث حنا عن جهودهم في العمل، وعن محاولاتهم من خلال التقارير والأخبار والبرامج اليومية إظهار أهمية وجود التراث واللغة والتاريخ السرياني، مع تركيزهم على تغطية الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية المُطالبة بالاعتراف الرسمي باللغة، والمناهج السريانية.
وتضيف حنا أنهم لا يريدون أن يقتصر استخدام السريانية على الطقوس الكنسية، مؤكدةً اعتزازهم بديانتهم المسيحية وهويتهم السريانية، وما تحمله اللغة من مكانة دينية خاصة لديهم.
أجيال تبحث عن جذورها
رغم كون اللغة السريانية لغة تاريخية، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في نقلها إلى الأجيال الجديدة ليحملوا مسؤولية الحفاظ عليها من الاندثار.
"بالنسبة لفئات الشباب وإقبالها على متابعة البرامج باللغة السريانية فهو قليل" تقول ماريا حنا.
وسرعان ما تلقي الضوء على بصيص الأمل، إذ تُشير إلى أن عملهم على استقطاب الفئة الشبابية في "سورويو" ولّد لديهم شعوراً بالانتماء والشغف للمدافعة عن اللغة وتطويرها.
"أصبح لدى الجميع حب للتحدث وتقديم البرامج بالسرياني، وبعضهم تعلّم اللغة لدينا" معتبرةً هذا الحدث إنجازاً وسط وجود عائلات لا تتحدث بالسريانية.
وتذهب حنا أبعد من ذلك، إذ تقول أن أغلب المستمعين للراديو الخاص بهم ليسوا سريان لكنهم يحبون إيقاع اللغة السريانية ويسعدون بسماعها.
وتؤكد الصحفية على أهمية الاعتراف الرسمي باللغة عبر مرسوم رئاسي، مقترحةً أن يكون هناك نشرات وبرامج باللغة السريانية تبثها الوسائل الحكومية، لتكون الحكومة بذلك داعمة فعلاً لكل الشعوب والإثنيات والثقافات الموجودة في سوريا.
أُعد هذا التقرير ضمن ورشة عمل "الصحافة الحساسة للنزاع"، التي نظّمتها مؤسسة "تاز بانتر" الألمانية.