"الوضع زفت واستنفزنا مادياً"..
المستشفيات الحكومية في دمشق: مرضى مرهقون وموارد تنفد
إعداد: نورمان عباس
بعد أكثر من عشر سنوات من الأزمة التي عصفت بالقطاع الصحي في سوريا، تواجه العائلات تحديات يومية لا تُحصى في سبيل تأمين العلاج لأطفالها وذويها.
من مشفى الأطفال في دمشق إلى مشافٍ حكومية أخرى، يتكرر المشهد: نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، أجهزة طبية متهالكة، وإشغال كامل للكوادر الطبية، بينما تتحمل الأسر أعباء مالية باهظة لمجرد توفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية.
هذا التحقيق يرصد واقع ثلاث مشافٍ حكومية كبرى، ويعرض شهادات الأهالي ومرافقي المرضى، ليكشف الصعوبات اليومية التي تواجه المرضى في ظل قيود الميزانية، نقص الأدوية، وعزوف الشركات عن التوريد، فضلاً عن التحديات الإدارية والقانونية التي تثقل كاهل المشافي.
شراء الأدوية.. المهمة المرهقة
يقول أنور السلطان إن طفله وُلد مريضًا وخضع لعملية جراحية في دير الزور، قبل أن يُنقل إلى مشفى الأطفال في دمشق نتيجة إصابته بالتهابات.
يوضح السلطان أن النظافة والتعقيم مقبولان في المشفى، إلا أن الأدوية غير متوفرة، إذ تُصرف على شكل وصفات خارجية يومية، تتراوح تكلفتها بين 40 ألفًا و200 ألف ليرة، ما يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا.
من جانبه، يقول خالد، مرافق لطفل مصاب بالسرطان، إن المشكلة لا تتعلق بالكادر الطبي بل بنقص الأدوية، مشيرًا إلى أن الجرعات المدعومة متوفرة، بينما تُشترى بقية الأدوية على نفقة المرضى.
ويضيف أن بعض العائلات تضطر لشراء أدوية من خارج المشفى بتكاليف قد تصل إلى مليوني ليرة سورية.
بدورها، تؤكد هنود الحمدان أن المرضى يتحملون كلفة الأدوية والتحاليل كاملة، موضحة أن نفقات العلاج قد تصل إلى 4 أو 5 ملايين ليرة، وتنتهي خلال أسبوع واحد فقط.
ورغم معاناتها تحاول أن تنصف في حديثها معنا الكادر الطبي، قائلة: "الوضع سيئ من ناحية توفر الدواء، رغم أن الأطباء لا يقصرون في عملهم".
وكشف تقرير في شباط/فبراير الماضي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن حوالي ربع السوريين (واحد من كل أربعة) عاطلون عن العمل، وأن ثلاثة أرباع السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، و90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.
استنزاف مالي وخدمات مفقودة
تشرح هنود الحمدان الوضع الصعب قائلة: "الطعام، المبيت، الأدوية، وأجور التنقل كلها على حسابنا. المشفى لا يملك إمكانيات مادية كافية، ولو توفرت لديهم لما قصروا معنا".
ويشير أنور السلطان إلى الأعباء المالية الكبيرة التي يتحملها، مضيفًا: "أتحمل أجور السفر من دير الزور التي تصل إلى 100 ألف ليرة، إضافة إلى أجرة الفندق التي تبلغ 250 ألفًا يوميًا".
أما خالد فيلفت النظر إلى صعوبات تبدو بسيطة لكنها تؤثر على المرضى ومرافقيهم: "لا توجد دورات مياه صالحة، ونضطر لقطع مسافة قد تصل إلى كيلومتر. جميع المراحيض مغلقة ولا توجد خدمات تُذكر".
ويضيف: "التعقيم والنظافة جيدان، لكن نقص الأدوية والخدمات واضح، وأحيانًا يُترك المريض دون رعاية كافية".
الصحة: شكاوى بالعشرات
رصدت "روزنة" في ثلاث مشافٍ حكومية، وهي مشفى الأطفال والمواساة والمجتهد، نقصًا حادًا في الأدوية وتعطل بعض الأجهزة والتحاليل، إضافةً إلى فسخ عقود التعقيم.
وأوضحت وزارة الصحة أنها تلقت 106 شكاوى رسمية عن المشافي الحكومية منذ سقوط النظام السابق، دون احتساب الشكاوى الشفهية.
إداريون مكبلون.. وعزوف شركات
تواجه مشافٍ حكومية، بينها مشفى الأطفال، قيودًا ناتجة عن نظام "الاستجرار المركزي" الصادر عام 2018، الذي يقضي بشراء الأدوية والمستلزمات الطبية عبر وزارة الصحة فقط.
ويقول المدير الطبي، الدكتور عثمان حمدان، إن مطالب المشفى بالسماح بالاستجرار المباشر رُفضت مرارًا، ما زاد من نقص الأدوية واضطر بعض الأقسام للاعتماد على التبرعات لتأمين المضادات الحيوية.
ويضيف أن القانون الجديد خفف بعض القيود، إلا أن المشفى لا يزال مقيدًا بميزانية محدودة وسقوف شراء لا تتناسب مع أسعار السوق.
عزفت شركات توريد المستلزمات الطبية عن تقديم عروض للمشافي الحكومية بعد سقوط النظام السابق، بسبب تأخر صرف المستحقات وعدم توفر السيولة في البنوك.
وأوضح مدير المنشآت الصحية في وزارة الصحة، واصل الجرك، أن الدفع يتم على دفعات ويخضع لسقف سحب يومي، ما يبطئ استرجاع الأموال، بينما تُعاد بعض المناقصات أكثر من مرة.
ولتخفيف الضغط، زادت الوزارة التخصيصات من الموازنة والمصادر الخارجية وحلت بعض العقبات القانونية، لكن بعض المواد الطبية لا تُنتج محليًا ويصعب استجرارها بسبب العقوبات وظروف السوق.
رفض ورفض.. "الوضع زفت"!
يقول علي العمر إنه لم يُستقبل في مشفى الأطفال دون معرفة السبب: "راجعت المشفى لكنهم لم يستقبلوني، ولا أعلم السبب".
ويضيف: "توجهت إلى مشفى الرشيد حيث أُحلت لإجراء تصوير إيكو فقط، ثم ذهبت إلى مشفى المهايني وطُلب مني 100 مليون ليرة، وكذلك في مشفى الرشيد".
ويتابع موضحًا وضعه الصحي الصعب: "لا أستطيع تأمين هذا المبلغ، وطفلي حالته حرجة ويحتاج إلى صمام رئوي وإغلاق فتحة في القلب".
ويختم بالقول: "حتى المشافي العامة لم تقدم لنا المساعدة". وبعد لحظة صمت، يؤكد بنبرة غاضبة: "الوضع زفت جداً".
إشغال عال وأجهزة متهالكة
رداً على اتهامات بالإهمال، قال الدكتور عثمان حمدان: "من يأتي إلى مشفى الأطفال طفل في حالة صحية ومادية صعبة، وغالبًا محول من مشافي خاصة بعد استنفاد الأهل كل فرص العلاج والقدرة المالية".
وأضاف: "لا نستطيع رفض أي مريض، حتى عندما تكون القدرة الاستيعابية للمشفى مشغولة بنسبة 110% (...) ومشفى الأطفال الوحيد في سوريا يستقبل معظم الحالات، بما في ذلك المحالون من حلب واللاذقية عند تدهور حالتهم، فما الذي يمكن أن يقدمه المشفى تحت هذا الضغط؟".
وبيّن "حمدان" أن الأطباء يعملون ضمن طاقة المشفى المحدودة: "نواجه نقصا حادا في المستلزمات الطبية الأساسية، فالتصوير الطبقي المحوري معطل منذ ست أو سبع سنوات، وجهاز المرنان يعمل بشكل متقطع، والأهالي بحاجة لكل شيء بينما لا نملك كل شيء".
وأضاف: "معظم الأجهزة الطبية متدهورة، حتى جهاز الإيكو قديم وغير كافٍ، ونعتمد في تشغيله على التبرعات"، مشيراً إلى أن الأسباب تعود لعدم تحديث الأجهزة خلال فترة النظام السابق وتأثير العقوبات على القطاع الصحي.
مشفى المواساة.. هل الوضع أفضل؟
على باب قسم الإسعاف في مشفى المواساة، تستلقي فاطمة الشيخ (اسم مستعار) على تخت نقال، متوسلة أولادها لنقلها إلى مشفى خاص بعد تأجيل عملية المرارة رغم حالتها الإسعافية.
وتروي ابنتها لروزنة: "أمي دخلت المشفى وحددت عمليتها بعد يومين، واليوم تأجلت. اضطررنا لشراء الأدوية والتحاليل من خارج المشفى، ونقلها إلى مشفى خاص اليوم خارج قدرتنا المادية".
ورصدت "روزنة" أن الواقع الصحي في مشفى المواساة مشابه لمشفى الأطفال، إذ معظم الأجهزة الطبية معطلة، ويضطر المرضى لشراء الأدوية من الخارج، كما يُضطر مرافقي المرضى لنقلهم بين أقسام المشفى، وهي مهمة من المفترض أن تتولاها الإدارة.
المشفى يرد: هذا واقعنا وميزانيتنا
أوضح مدير مشفى المواساة، أمين سليمان، أن المستشفى يضم 820 سريرًا، وغالبا يكون الإشغال كاملا، مشيرا إلى أن معظم الأجهزة الطبية إما معطلة أو تعمل خارج العمر الافتراضي، ما يخلق أعباء كبيرة.
وأضاف: "لا توجد ميزانية كافية لاستبدال الأجهزة أو صيانتها، ولولا التبرعات والمنظمات لما استطعنا تقديم الخدمة على الحد الأدنى".
وحول نقص الأدوية، قال سليمان إن الأدوية النوعية غير متوفرة بشكل كافٍ، رغم خطط الاستجرار مع وزارة التعليم العالي، بينما يستقبل قسم الإسعاف نحو ألف حالة يوميا رغم قدرته على 200–300 حالة، ما يزيد الحاجة للأدوية والمستلزمات.
وأوضح أن المشفى بحاجة سنويًا نحو 200 مليار ليرة لأدوية الورم والغسيل الكلوي، في حين أن الميزانية المرصودة لا تتجاوز 40 مليارًا.
تحسن نسبي للتعقيم.. ونقص حاد بالكوادر
قال أمين سليمان، مدير مشفى المواساة، إن المشفى فسخ عقد التعقيم مع الشركة السابقة بعد سقوط النظام بسبب فسادها وضعف أدائها، وأوضح أن الاعتماد على عمال ذوي خبرة حسّن الوضع بنسبة 30–40%.
ومنذ شهرين، تم التعاقد مع شركة بشكل يومي، ما رفع مستوى التعقيم إلى أكثر من 80%، على حد تقديره.
وعن الكوادر الطبية، أشار سليمان إلى أن المشفى يضم نحو 1500 موظف من مختلف الفئات، بينما الحاجة الفعلية تصل إلى 2500 موظف.
وأضاف أن قسم الإسعاف المركزي الذي يستقبل 800–1000 حالة يوميًا لا يضم أكثر من 5–6 عاملين، بينما تحتوي بعض الإسعافات على 80–150 مريضًا مع عدد محدود من الموظفين قليلي الخبرة والراتب، ما يزيد الضغط على المشفى.
مشفى المجتهد.. الانتانات مستمرة ونقص التعقيم
قالت مصادر طبية من مشفى المجتهد لـ "روزنة" إنه بعد سقوط النظام فسخ العقد مع شركة التعقيم، وحتى بعد 10 أشهر لا توجد شركة مختصة، مما ساهم بانتشار الانتانات.
وأوضح مدير المشفى السابق، الدكتور توفيق حسابا، أن المستشفى لم يتعاقد مع شركة تعقيم بعد السقوط، ويُعهد للتمريض بمهمة التعقيم وفق قرار وزارة الصحة، مع شراء مواد التعقيم فقط.
وقال مدير مديرية المنشآت الصحية، الدكتور واصل الجرك، إن عقود بعض شركات التعقيم كانت غير قانونية وتضمنت شُبهات فساد، لذلك قررت الوزارة إنهاء جميع عقود التعقيم وإعادة تقييم التجربة، وتفعيل الموظفين المخصصين وتدريبهم لتقليل الهدر.
وأضاف في تصريح لروزنة أن مشفى المجتهد لم يُترك دون عمال تعقيم، وأن هناك موظفين متخصصين تم إعادة تفعيلهم.
وأكد أن الوزارة لا تعتزم إعادة التعاقد مع شركات تعقيم حاليًا، بل تركز على تدريب الموظفين وتحسين إجراءات ضبط العدوى.
ما مشكلة انتشار الإنتان؟
يرى مدير مشفى المجتهد، الدكتور محمد الأكتع، أن فسخ العقود مع شركات التعقيم والتنظيف بعد سقوط النظام تسبب في إحراج وتراجع في تقديم الخدمة داخل المشفى، رغم وجود شبهات فساد في العقود السابقة.
وأشار الأكتع إلى أن القرار السابق بتكليف التعقيم للعناصر التمريضية كان صعبًا تطبيقه بسبب عجز الكوادر التمريضية فنيًا وعدديًا، ولا يمكن تحميلهم عبء التعقيم.
وأضاف أن المشفى رفع ملاحظات عدة مرات إلى وزارة الصحة، فوافقت الوزارة على إبرام عقود جديدة بشروط وبروتوكولات ولجان، لكن ذلك يتطلب وقتًا.
وأوضح أن مشفى المجتهد يملك لجنة ضبط عدوى تطوعية تراقب الجودة مؤقتًا، وأن المشفى يؤمن مواد التعقيم عبر الشراء المباشر بعد انتهاء الهبات، لكن الكميات لا تغطي الحاجة.
وأكد أن المشفى لا يملك شركة خاصة بالتنظيف حاليًا، ويعتمد على عمال بعقد يومي لا يرقون للبروتوكولات المطلوبة، في ظل ضغط كبير على المشفى ونسبة إشغال في العناية المركزة تتجاوز 200%.
يرى الطبيب أحمد حيدر أن مشكلة انتشار الإنتان وتطوره إلى صدمة إنتانية في المشافي السورية لا تُحل بتوفير الكحول والمعقمات فقط، بل تتطلب تدريب كوادر التعقيم ورفع كفاءتهم.
ويربط الدكتور أحمد حيدر المشكلة بأساس أعمق، وهو انخفاض الرواتب الذي يمنع المشافي من توظيف كوادر كفؤة في كافة القطاعات، ما يدفع شركات التعقيم للبحث عن عمال يقبلون بالرواتب المتدنية، وبالتالي يلجأون إلى توظيف قاصرين.
ويخلص حيدر إلى أن الحل لا يقتصر على توفير المواد فقط، بل يتطلب وضع مواصفات واضحة للعامل والتدريب المستمر ورفع الأجور لضمان جودة التعقيم ومنع انتشار الإنتان.
بعد عشرة أشهر من سقوط النظام، تبقى المشاكل الصحية في سوريا عصيّة على الحل، ويظل مئات المرضى معلقي المصير أمام مشافي تفتقر لأبسط مقومات العلاج.
وعند مغادرتنا لمشفى الأطفال، يختصر والد أحد المرضى معاناته بالقول: "المشفى كبرني ١٠٠ سنة"، بعد أن استنفد كل السبل في المستشفيات الخاصة.